مآلات ميديا – تحقيقات :
في عالم تُصاغ فيه سمعة الدول والشخصيات العامة بما يظهر في أول صفحة من نتائج البحث، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن طبقة أعمق من “الهندسة الخفية” التي تلجأ إليها الإمارات لإدارة فضائحها بعيداً عن المواجهة العلنية، عبر سوق عالمي متنامٍ لصناعة تبييض السمعة الرقمية. وبحسب ما نقلته الصحيفة وتقارير مكمِّلة، دفعت أبوظبي ملايين الدولارات لشركة “تراكيت” الأمريكية المتخصصة في إدارة السمعة عبر الإنترنت، في عقد استهدف بشكل مباشر إعادة تشكيل ما يراه الناس عندما يكتبون اسم سفيرها في واشنطن يوسف العتيبة في خانة البحث على محرّك “غوغل”، لا سيما بعد أن نشر موقع “ذا إنترسبت” عام 2017 تحقيقاً يربط العتيبة بعلاقات مع مرافقات وأشخاص ذوي صلة بشبكات الاتجار الجنسي، ما وضع الدبلوماسي الذي يُسوَّق في واشنطن كواجهة “حداثية” للإمارات في قلب عاصفة أخلاقية محرجة.
ما إن انتشر تحقيق “ذا إنترسبت” حتى تحركت، وفق هذه الرواية، ماكينة العلاقات العامة الإماراتية باتجاه خيار مألوف لديها: إن لم تستطع إسكات القصة، فاغمرها تحت جبل من القصص البديلة. وهنا ظهر دور “تراكيت”، الشركة التي تروِّج لنفسها بأنها قادرة على “التحكم في السردية الرقمية” للعلامات الكبرى والقادة عبر تحسين الظهور في محركات البحث، لتُكلَّف بمهمة إنتاج محتوى إيجابي بكثافة، وصياغة مقالات وتقارير تعريفية، وترويج مقابلات ومنشورات مصممة بعناية، بهدف دفع المادة الفاضحة إلى الصفحات الخلفية من نتائج البحث، بحيث يتطلّب الوصول إليها عناءً لا يبذله أغلب المستخدمين. ووفق ملخص ما جرى تداوله، فقد أنفقت الإمارات ما لا يقل عن أربعة إلى ستة ملايين دولار بين 2020 و2022 ضمن عقود مع “تراكيت” وشركات مشابهة، كان هدفها المركزي إدارة السمعة الرقمية ليوسف العتيبة، وإعادة “تغليف” صورته أمام الرأي العام الغربي بعد تراكم التسريبات حول دوره في ملفات حساسة من تمويل حملات إعلامية ودعاوى قضائية، إلى تسريبات بريدية تخص علاقاته وشبكة نفوذ بلاده في واشنطن.
ولا تقف دلالات ما كشفته نيويورك تايمز عند حدود حالة العتيبة؛ فالشركة ذاتها، كما تذكر تقارير تحليلية، ارتبط اسمها بعملاء آخرين يواجهون أزمات سمعة وأبعاداً أخلاقية حرجة، من بينها مؤسسات ثقافية وحقوقية تواجه اتهامات بالنفاق أو إساءة استخدام الموارد، مثل جهات مرتبطة بمتحف أمريكي للمثليين في نيويورك، ومستشفى “سانت جود” الذي أثار جدلاً واسعاً بعد تقارير تحدثت عن تراكم مليارات الدولارات في احتياطياته في وقت كانت عائلات الأطفال المرضى تكافح لتغطية تكاليف العلاج والمعيشة. هذا النمط من الزبائن لا يترك مجالاً كبيراً للالتباس بشأن طبيعة السوق التي تتحرك فيها شركات كهذه: ليست مساحة لحل الأزمات أو معالجة جذورها، بل سوقاً مصممة لدفنها في أعماق الفضاء الرقمي، وتغليفها بطبقة لامعة من المحتوى الإيجابي.
من زاوية استراتيجية أوسع، تكشف هذه الفضيحة مستوى الطموح الذي تتحرك به أبوظبي في سعيها للسيطرة على الصورة التي تُقدَّم عنها في الغرب؛ فالإمارات التي استثمرت خلال العقد الأخير مليارات في شراء النفوذ السياسي والإعلامي – من تمويل مراكز أبحاث كبرى إلى بناء علاقات عضوية مع شبكات ضغط وصحافة نافذة – تبدو اليوم ذاهبة خطوة أبعد: محاولة شراء الذاكرة الرقمية ذاتها، أي التحكم ليس فقط في ما يُكتب، بل في ما يبقى مرئياً وما يُدفع عمداً إلى منطقة العتمة في نتائج البحث. هذا يعني عملياً أن المواطن أو الباحث أو الصحفي الذي يبحث عن اسم يوسف العتيبة، أو عن سجلات انتهاكات الإمارات في حروب المنطقة، سيجد نفسه أمام عشرات النصوص المصقولة، والمقابلات المصممة بعناية، والتقارير “المحايدة” ظاهرياً، بينما يُدفن المحتوى الاستقصائي الأكثر إحراجاً في صفحات لا يصل إليها إلا من يعرف مسبقاً ماذا يريد وماذا يبحث.
وإذا ما أخضعنا هذا السلوك لقراءة في مآلاته، فإن الصورة تصبح أكثر خطورة من مجرد “تلميع سفير” أو إنقاذ دبلوماسي من فضيحة شخصية؛ نحن أمام نموذج متكامل لكيف تستخدم دولة ذات قدرات مالية هائلة مزيجاً من المال والدبلوماسية وشركات السمعة السرّية لإعادة تشكيل الواقع المدرك رقمياً، عبر تكييف منصات يفترض أن تكون حيادية مثل محركات البحث كي تعكس ما تريد قوله لا ما حدث فعلاً. في المدى القصير، قد تنجح هذه الاستراتيجية في تقليل الضرر على صورة أشخاص بعينهم، وفي منح حلفاء الإمارات في الغرب “مادة نظيفة” يستندون إليها دفاعاً عن علاقاتهم بها، لكن في المدى البعيد، يحمل هذا النهج بذور ارتداد خطير؛ إذ يفاقم شكوك الرأي العام في مصداقية البيئة المعلوماتية ككل، ويُشجِّع قوى أخرى – دولاً وشركات وأفراداً – على خوض السباق ذاته، ما يجعل فضاءات البحث والمعرفة ساحة تنافس بين ميزانيات العلاقات العامة أكثر منها ساحة تنافس بين الحقائق والأدلة.
في قلب هذا المشهد، تتحول فضيحة عقد “تراكيت” مع الإمارات من خبر عن فاتورة بملايين الدولارات إلى اختبار لأسئلة أكبر: من يملك حق تشكيل السردية عن شخصية عامة مثيرة للجدل مثل يوسف العتيبة؟ ما الذي يبقى من الصحافة الاستقصائية إذا أمكن دفن تحقيقاتها تحت ركام من “القصص البديلة” الممولة جيداً؟ وكيف يمكن لمجتمعات تدّعي الدفاع عن الشفافية وحرية التعبير أن تتسامح مع صناعة كاملة هدفها تقييد ما نراه ونقرؤه إلى ما تدفع أكثر كي يبقى في الواجهة؟ الإجابات عن هذه الأسئلة لن تأتي من صفحات محركات البحث وحدها، بل من قدرة الإعلام والجمهور على إدراك أن معركة الحقيقة لم تعد تدور فقط حول ما يُقال، بل حول ما يُخفى عمداً خلف الصفحة الأولى.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.