مآلات ميديا – مآلات محلية :
في سوق المحرّق بمحافظة حجة، التيس الأبيض المرقط بالبني معروض بين عشرات المواشي التي تسبق العيد، تحول خلال ساعات إلى حديث الناس على منصات التواصل، بعدما ظهر في مقطع متداول وسط حلقة من المتسوقين والباعة، بينما تتردد حوله رواية واحدة أثارت الدهشة: تيس “سوري” وصل سعره إلى نصف مليون ريال يمني، وصاحبه رفض العرض و يطلب المزيد.

تبدو الواقعة للوهلة الأولى مشهدًا طريفًا من سوق شعبي، غير أن الضجة التي رافقتها كشفت أن الناس يقرأون من خلاله حال السوق كله. فمع اقتراب موسم الأضاحي، يتحول سعر الماشية إلى سؤال اجتماعي ثقيل عن قدرة الأسر على صون طقس العيد، وعن المسافة التي تفصل دخل المواطن عن الحد الأدنى من فرحته السنوية.

في اقتصاد مثقل بالأزمات، لا تقرأ الأسواق من خلال متوسطات الأسعار فقط، بل من خلال الصدمات الصغيرة التي تلامس وجدان الناس. نصف مليون ريال لتيس واحد قد يكون سعرًا استثنائيًا لحالة استثنائية، لكنه يكفي لإطلاق موجة واسعة من الأسئلة: هل أصبح العيد عبئًا على الفقراء؟ هل صارت الأضحية صورة من صور البذخ لكثير من الأسر؟ وهل باتت المواسم الدينية نفسها مرآة للفجوة المتزايدة بين العادة الاجتماعية والقدرة الشرائية؟

وجد اليمنيون في هذا التيس صورة مكثفة لسوق يزداد ضغطًا، ولموسم يقترب محمّلًا بالتكاليف، ولمجتمع يحاول أن يحافظ على رموزه وطقوسه وسط واقع اقتصادي قاسٍ. ولهذا لم يعد السؤال: كم يساوي التيس؟ بل: ماذا يقول هذا السعر عن حال الناس؟ وما الذي بقي من قدرة الأسر على استقبال العيد دون أن يتحول الفرح إلى معادلة حسابية موجعة؟

بهذا المعنى، فإن تيس سوق المحرّق كان مؤشرًا اجتماعيًا خرج من زحام السوق ليكشف حجم القلق الكامن في البيوت. فحين يصبح سعر أضحية واحدة خبرًا واسع التداول، فهذا يعني أن السوق لم يعد مكانًا للبيع والشراء وحده، بل صار شاشة مكشوفة تعرض عليها البلاد علاقتها المعقدة بين الفقر، والكرامة، والعيد، والقدرة على الفرح.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.