مآلات ميديا – مآلات محليه


في مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من التوتر المكتوم بين حلفاء الأمس في اليمن، خرج وزير الداخلية في الحكومة الموالية للسعودية، إبراهيم حيدان، ليعلن عن إحباط ما وصفه بـ”أكبر مخطط للاغتيالات السياسية في عدن”، كاشفا عن خلايا منظمة تقف وراء موجة الاغتيالات الأخيرة في المدينة، ومتهما إياها بتلقي تمويل ودعما لوجستيا من “جهات خارجية” لم يسمّها بالاسم، لكن سياق الاتهامات ومسار الأحداث يوجهان أصابع الاتهام – ضمنا – نحو الإمارات بوصفها الطرف الأكثر حضورا وتأثيرا في المشهد الأمني بعدن. هذا الإعلان لا يأتي في فراغ، بل يتقاطع مع سلسلة طويلة من عمليات التصفية التي ضربت قيادات سياسية ومدنية وأمنية في المدينة خلال السنوات الماضية، ما جعل عدن تبدو كما لو أنها تُدار على إيقاع “إدارة الفوضى” أكثر من كونها عاصمة مؤقتة لليمن.
حيدان أوضح، في تصريحاته، أن التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية أفضت إلى كشف خلايا مرتبطة بجهات خارجية، مؤكدا أن هذه الخلايا “نفذت عمليات الاغتيال الأخيرة” وأنها كانت بصدد تنفيذ سلسلة جديدة من العمليات تستهدف “شخصيات سياسية وأمنية بارزة في عدن”. الإشارة إلى “العمليات الأخيرة” تحيل مباشرة إلى اغتيال القيادي في حزب الإصلاح عبدالرحمن الشاعر، والقائم بأعمال مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، وهما شخصيتان تمثلان – كل بطريقته – رمزية مزدوجة: رمزية سياسية حزبية، ورمزية مدنية تنموية، ما يعطي انطباعا بأن المخطط لا يستهدف طرفا واحدا بقدر ما يستهدف بنية الحياة السياسية والمدنية في المدينة برمتها. ربط هذه العمليات بخلايا منظمة ممولة من الخارج يرفع القضية من مستوى الجرائم المعزولة إلى مستوى “مشروع اغتيالات” له عرّابون وأهداف استراتيجية.
وبحسب ما أشار إليه وزير الداخلية، فإن التحقيقات لم تكتف باعترافات أو شبهات عامة، بل أسفرت عن ضبط “وثائق وخرائط وأدوات” بحوزة عناصر الخلايا، تكشف حجم المخطط والأهداف المرسومة. الحديث عن خرائط يشي بأن الأمر يتعلق بقوائم أسماء، وربما مسارات تحرك، ومواقع سكن أو عمل الشخصيات المستهدفة، ما يعني أننا أمام عمل تخطيطي ممنهج لا أمام اجتهادات فردية. أما “الأدوات” فتوحي بوجود تجهيزات لوجستية – قد تشمل أسلحة، أجهزة اتصالات، أو وسائل تنكر ورصد – تؤكد أن الخلايا كانت في طور التنفيذ وليس في مرحلة النوايا. عندما تربط هذه المعطيات كلها بعبارة “تمويل ودعم لوجستي خارجي”، تصبح الرسالة السياسية أوضح: جهة خارجية لديها القدرة المالية واللوجستية، وتملك شبكة نفوذ على الأرض، تستثمر في تصفية خصوم أو إعادة هندسة موازين القوى في عدن عبر الرصاص الصامت.
هنا تحديدا يظهر البعد الأعمق للاتهام؛ فعدن ليست مجرد مدينة عادية، بل هي العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دوليا، والمركز الرمزي للسلطة التي تدعمها السعودية في مواجهة خصومها، وفي مقدمتهم الحوثيون. في المقابل، تشكل المدينة أيضا أحد أهم معاقل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، والذي يحتفظ بقوة عسكرية وأمنية واسعة النفوذ على الأرض. في ضوء هذه الحقائق، يصبح أي حديث عن “خلايا مرتبطة بجهات خارجية” في عدن محمّلا بدلالات سياسية، إذ يُفهم ضمنيا على أنه إشارة إلى طرف قادر فعليا على الحركة والتأثير داخل المدينة، ما يضع أبوظبي في دائرة الاتهام السياسي حتى لو لم تُذكر في التصريحات الرسمية. بهذا المعنى، يتحول تصريح حيدان إلى رسالة ضغط مبطنة باتجاه الإمارات، مفادها أن “اللعب بورقة الأمن في عدن” لن يمر دون توثيق أو كشف.
استراتيجيا، يحمل هذا الاتهام – حتى وهو بصيغة التلميح – عدة رسائل؛ الرسالة الأولى موجهة للداخل اليمني، وخاصة للقوى السياسية والقبلية في الجنوب، مفادها أن حكومة عدن مدعومة من الرياض تمسك بخيوط اللعبة الأمنية وتملك القدرة على كشف المخططات و”حماية رموزها”، بهدف استعادة قدر من المصداقية في بيئة اعتاد الناس فيها على أن تبقى جرائم الاغتيال “ضد مجهول”. الرسالة الثانية موجهة لحلفاء الخارج، وتحديدا للدول الفاعلة في الملف اليمني، لتقول إن عدن ليست ساحة بلا حارس، وأن ما يجري فيها ليس صراعا محليا داخليا فحسب، بل جزء من تنافس إقليمي أوسع، وعلى الأطراف الدولية أن تقرأ هذه الرسائل جيدا وهي تعيد تموضع سياساتها وتحالفاتها. أما الرسالة الثالثة فمضمونة باتجاه الإمارات تحديدا: الاتهام، ولو الضمني، بتمويل خلايا اغتيال في مدينة حليفك الرئيسي، يضع العلاقة السعودية–الإماراتية في اليمن أمام أسئلة صعبة عن حدود التنسيق وحدود الصراع.
إذا واصل مسار التحقيقات بالاتجاه الذي لمح إليه وزير الداخلية – أي تثبيت رواية “الخلايا المدعومة خارجيا” بوثائق واعترافات وأدلة مادية – فستكون أمام عدن لحظة مفصلية: إما أن تتحول القضية إلى ملف قانوني مغلق يُحفظ في أدراج النيابة، أو يُستثمر كملف سياسي يتم توسيعه وتدويله للضغط على الأطراف المتهمة والداعمة لها. في السيناريو الأول، ستُقرأ القضية باعتبارها حلقة جديدة في مسلسل الاغتيالات الذي لا تصل عُقده أبدا إلى نهايات واضحة، ما يكرس انعدام الثقة الشعبي. أما في السيناريو الثاني، فقد تشهد المرحلة المقبلة تصاعدا في حدة الخطاب بين الرياض وأبوظبي حول إدارة الجنوب، وربما إعادة رسم خريطة النفوذ الأمني في عدن، عبر إعادة توزيع الأدوار والقوات وتقييد حضور القوى المرتبطة بالطرف المتهم. بين هذين الخيارين، تظل مدينة عدن – المثقلة بإرث الصراعات – مهددة بأن تبقى رهينة خرائط اغتيال تُرسم في غرف مغلقة، ما لم تنجح إرادة سياسية جدية في تحويل كشف هذا المخطط من مجرد خبر عابر إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء منظومة أمنية موحدة تحمي الحياة السياسية بدل أن تُدار عبر فوهة البندقية


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.