م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
لا يتناول هذا المقال جماعة بعينها، ولا يستهدف طرفًا محددًا في المشهد اليمني، وإنما يحاول قراءة ظاهرة اجتماعية ومؤسسية واسعة تتكرر في بيئات مختلفة: في المؤسسات العامة، والمبادرات المجتمعية، الجهات الرسمية ، وحتى في العلاقات اليومية. إنها ظاهرة تفضيل القريب والمألوف على صاحب الفكرة الجادة، حين تتحول دوائر الانتماء الضيقة إلى معيار خفي يسبق العقل والحجة والكفاءة.
في كثير من البيئات اليمنية، لا تمر الفكرة دائمًا عبر سؤالها الطبيعي: هل هي صحيحة؟ هل تحمل حلًا؟ هل تستند إلى تجربة أو منطق أو دليل؟ بل تُفحص أولًا من زاوية صاحبها: من هو؟ مع من يجلس؟ إلى أي دائرة ينتمي؟ هل هو قريب من المجموعة المؤثرة أم يقف خارجها؟ وعندما يحدث ذلك، تتراجع قيمة الفكرة، ويصبح الانتماء الاجتماعي أو المهني أو المناطقي أو الحزبي أكثر حضورًا من مضمون الطرح نفسه.
هذه الظاهرة يمكن تسميتها علميًا التحيز لدوائر الانتماء الضيقة. وهي قريبة من مفهوم معروف في علم النفس الاجتماعي يسمى الانحياز للجماعة الداخلية، ويعني ميل الأفراد إلى منح الثقة والقبول لمن ينتمون إلى دائرتهم القريبة، والتعامل بحذر أو شك مع من يأتون من خارجها. هذا الميل موجود في مجتمعات كثيرة، لكنه يصبح أكثر حدة في البيئات التي تعاني من الأزمات، لأن الخوف وعدم اليقين يدفعان الناس إلى الاحتماء بالمألوف والقريب والمضمون.
في السياق اليمني، تتضاعف هذه الظاهرة بسبب سنوات طويلة من العدوان ، وتراجع الثقة ، واتساع حضور العلاقات غير الرسمية. حين تضعف القواعد الواضحة، تتقدم العلاقات الشخصية. وحين تتراجع معايير الكفاءة، تظهر معايير القرب والولاء والمجاملة. وحين يصبح المستقبل غامضًا، يبحث الناس عن حماية داخل دوائر صغيرة تمنحهم شعورًا بالأمان، حتى لو أدى ذلك إلى إقصاء أصوات قادرة على التفكير والمساهمة.
قد يقدم شخص فكرة عملية، أو نقدًا مسؤولًا، أو مقترحًا يستند إلى خبرة ومعرفة، ثم يجد أمامه جدارًا من الصمت أو التجاهل أو التقليل. في الظاهر يبدو الأمر خلافًا حول الفكرة، وفي العمق يكون الخلاف حول ما ستفعله هذه الفكرة إذا مُنحت فرصة عادلة. فالفكرة الرصينة لا تمر ككلام عابر؛ إنها قوة كاشفة. تكشف الخلل، وتفضح ضعف البدائل القائمة، وتُظهر أن هناك طريقًا آخر ممكنًا، وتمنح صاحبها وزنًا معنويًا داخل مساحة اعتادت أن تتحكم فيها دائرة محددة.
لهذا يقلق بعض الناس من الفكرة العملية أكثر مما يقلقون من الكلام العام. الشكوى الفضفاضة قد تمر دون أثر، لأنها لا تلزم أحدًا بشيء. أما الفكرة العملية فتحدد المشكلة، وتقترح طريقًا للحل، وتفتح باب السؤال عن التنفيذ: من المسؤول؟ متى يبدأ العمل؟ لماذا تأخر الحل؟ ومن الذي عطّل المسار؟ عند هذه النقطة ينتقل النقاش من المجاملة إلى المحاسبة، ومن العموميات المريحة إلى الأسئلة الدقيقة التي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
وتزداد حساسية الفكرة الرصينة حين تأتي من خارج الدائرة القريبة. فهي لا تقدم حلًا فحسب، بل تكسر احتكار الحل. تثبت أن المعرفة لا تقيم في مكان واحد، وأن القدرة على التفكير ليست حكرًا على الوجوه المعتادة، وأن صاحب الرأي المختلف قد يرى ما لم يره القريبون من مركز القرار. وهذا يسبب قلقًا رمزيًا لمن اعتادوا تقديم أنفسهم بوصفهم المصدر الوحيد للفهم والتفسير والاتجاه.
كما أن الفكرة القوية تحرج منطق الانتماء الضيق. فإذا جاءت الرؤية الأفضل من شخص غير محسوب على الدائرة، تصبح الجماعة أمام اختبار صعب: هل تعترف بقيمة الطرح وتمنح صاحبه حقه المعنوي، أم ترفضه حفاظًا على توازناتها الداخلية؟ كثير من البيئات تختار الطريق الأسهل: تجاهل الفكرة، أو تأجيلها، أو التشكيك في صاحبها، أو انتظار أن يعيد طرحها شخص أقرب إلى المجموعة نفسها. هنا لا تتغير الفكرة، الذي يتغير هو حامل الفكرة وموقعه داخل شبكة القبول.
في علم الإدارة والسلوك التنظيمي، ترتبط هذه الحالة بمفهوم التفكير الجمعي. ويظهر حين تصبح الجماعة حريصة على حماية انسجامها الداخلي أكثر من حرصها على اختبار الأفكار بموضوعية. في هذه البيئة، يُفضّل الرأي المريح على الرأي الصادق، وتُقبل الملاحظات التي لا تزعج التوازن القائم، بينما يُنظر إلى الرأي المختلف كأنه عبء أو تهديد. ومع مرور الوقت، تفقد الجماعة قدرتها على المراجعة، لأن الأصوات التي تكشف الخلل تُدفع إلى الأطراف.
تظهر هذه الظاهرة في الحياة اليمنية بصور متعددة. في مؤسسة ما، قد يُهمّش موظف كفؤ لأنه لا ينتمي إلى الدائرة الأقرب لصانع القرار. وفي مبادرة مجتمعية، قد تُدفن فكرة نافعة لأنها جاءت من شخص لا يملك شبكة علاقات قوية. وفي نقاش عام، قد يُستهان برأي صاحب تجربة حقيقية لأن صوته لا يصدر عن الوجوه المعتادة. وفي محيط اجتماعي أضيق، قد يتعرض الشخص المختلف للتقليل أو السخرية، لأنه قال ما لا ترغب الشله في سماعه.
الأخطر أن إقصاء الفكرة لا يتم دائمًا بصورة مباشرة. أحيانًا يجري تجاهلها بصمت. وأحيانًا تؤجل حتى تفقد قيمتها. وأحيانًا يُعاد طرحها لاحقًا باسم شخص آخر أكثر قربًا من الدائرة المؤثرة. وأحيانًا تُفرغ من معناها عبر التركيز على أسلوب صاحبها أو شخصيته أو خلفيته بدلًا من مناقشة مضمون ما قاله. بهذه الطريقة، يتحول النقاش من اختبار الفكرة إلى محاكمة صاحبها.
وهذا ما تسميه مهارات الجدل الشخصنة، أي نقل الخلاف من الفكرة إلى صاحب الفكرة. بدلًا من سؤال: هل الطرح صحيح؟ يظهر سؤال آخر: ما نية هذا الشخص؟ لماذا تكلم الآن؟ من يقف خلفه؟ هل يريد الظهور؟ هذه الأسئلة قد تبدو في ظاهرها حذرًا، لكنها كثيرًا ما تعمل كآلية دفاعية لحماية الوضع القائم من أي مراجعة جادة.
من زاوية أخرى، يمكن فهم الظاهرة باعتبارها فرزًا غير معلن للأصوات والأفكار. فبعض البيئات تمنح حق الكلام والتأثير لأشخاص محددين، وتضع الآخرين في موقع المتفرج، حتى لو امتلكوا معرفة أو خبرة أو رؤية أفضل. هذا الفرز لا يحتاج إلى قرار رسمي، فهو يعمل عبر الإشارات الاجتماعية، والمجاملات، والتجاهل، وتوزيع الفرص، ومنح الثقة لمن هم داخل الدائرة القريبة.
وهنا تتضرر المؤسسات والمجتمعات بعمق. فالمؤسسة التي تسمع من يوافقها فقط تفقد قدرتها على التعلم. والجماعة التي تخاف من الرأي المختلف تحرم نفسها من فرصة التصحيح. والمجتمع الذي يجعل القرب معيارًا للقبول يرسل رسالة قاسية لأصحاب الكفاءة: لا يكفي أن تعرف، ولا يكفي أن تفكر، ولا يكفي أن تقدم حلًا؛ عليك أولًا أن تكون من الدائرة المقبولة.
هذه الرسالة تقتل الدافعية ببطء. صاحب الكفاءة قد يختار الصمت بعد تكرار التجاهل. وصاحب الفكرة قد ينسحب من المجال العام حين يكتشف أن الحجة وحدها لا تكفي. والشاب الطموح قد يتعلم درسًا خطيرًا: الطريق إلى التأثير يمر عبر الاصطفاف، لا عبر المعرفة. ومع الوقت، تتسع ثقافة المجاملة، ويتراجع النقد المسؤول، وتصبح السلامة الشخصية أهم من قول الرأي الصادق.
في اليمن، تبدو كلفة هذه الظاهرة أكبر من المعتاد. فالبلد يعاني من أزمات متداخلة في الخدمات، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والمياه، وفرص العمل، والثقة العامة. ومجتمع بهذه الدرجة من الإنهاك يحتاج إلى أوسع قدر ممكن من العقول والخبرات والأفكار العملية. لا يستطيع بلد مثقل بالأزمات أن يخسر فكرة نافعة لأنها جاءت من شخص غير محسوب على دائرة معينة، أو أن يهمل تجربة حقيقية لأنها لا تمر عبر المسار الاجتماعي المألوف.
المواطن العادي لا يعنيه من أي دائرة جاءت فكرة تحسين خدمة المياه، ولا يهمه من الذي اقترح إصلاح آلية توزيع الدواء، ولا يعنيه اسم المجموعة التي طرحت حلًا لمشكلة الكهرباء أو التعليم أو النظافة أو الرواتب. ما يعنيه أن تتحسن حياته، وأن تصل الخدمة، وأن تُدار الموارد بإنصاف، وأن يشعر أن العقل والخبرة لهما مكان في صناعة القرار. وحين تُقصى الأفكار بسبب الحسابات الضيقة، يدفع الإنسان البسيط الثمن في حياته اليومية.
من الناحية العلمية، تقوم المؤسسات الرشيدة على مبدأ بسيط: تقييم الفكرة بناءً على الدليل والأثر وقابلية التنفيذ. أما حين تدخل دوائر الانتماء الضيقة في عملية التقييم، فإن معيار القرار يتغير. لا يعود السؤال عن جودة الفكرة وحدها، بل عن موقع صاحبها داخل شبكة العلاقات. هنا تفقد المؤسسة جزءًا من عقلها، لأن القرار يبدأ في خدمة التوازنات بدلًا من خدمة المصلحة العامة.
تزداد المشكلة حين تخاف بعض الجماعات من الفكرة القوية أكثر من خوفها من الفكرة الضعيفة. الفكرة الضعيفة يسهل تجاوزها، أما الفكرة القوية فتجبر الجميع على المراجعة. تكشف التقصير، وتفتح أسئلة محرجة، وتمنح صاحبها وزنًا معنويًا. لذلك قد يكون التجاهل أحيانًا محاولة للهروب من الاعتراف، وقد يكون التشويه وسيلة لإضعاف صاحب الفكرة قبل أن تتحول فكرته إلى معيار للمساءلة.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها قدرًا اجتماعيًا ثابتًا. يمكن مواجهتها إذا توفرت ثقافة أكثر نضجًا في إدارة الاختلاف. تبدأ المعالجة من الاعتراف بأن الفكرة أكبر من صاحبها، وأن الرأي المختلف قد يحمل منفعة حتى عندما يزعجنا، وأن القرب الاجتماعي لا يصنع بالضرورة معرفة أفضل. ثم تأتي الحاجة إلى قواعد أكثر وضوحًا في النقاش والتقييم واتخاذ القرار، بحيث يعرف الناس أن المقترح سيُفحص وفق معايير معلنة، لا وفق المزاج والعلاقة والانطباع.
تحتاج المؤسسات اليمنية، بمختلف أنواعها، إلى قيادة قادرة على الإصغاء للأصوات غير المريحة. القيادة الناضجة لا تخاف من صاحب الرأي المختلف، لأنها ترى في الاختلاف وسيلة لتحسين القرار. أما القيادة التي لا تسمع إلا محيطها القريب، فإنها تحكم على نفسها بالعزلة المعرفية، حتى لو بدت محاطة بكثير من المؤيدين. فالمؤيدون قد يمنحون شعورًا بالراحة، لكن المختلفين يمنحون فرصة للرؤية من زاوية أخرى.
كما يحتاج المجتمع إلى إعادة الاعتبار لقيمة الإنصاف في التعامل مع الأفكار. الإنصاف يعني أن نناقش الطرح قبل أن نحاكم صاحبه، وأن نسأل عن الدليل قبل أن نسأل عن الانتماء، وأن نمنح الفكرة الجادة فرصة عادلة للاختبار. لا يعني ذلك قبول كل رأي أو تصديق كل ادعاء، فالمجتمع الرشيد يميز بين الفكرة الجادة والفوضى، وبين النقد المسؤول والتشويش. لكنه لا يدفن الطرح فقط لأن صاحبه ليس من الدائرة المفضلة.
إن تحرير الفكرة من سطوة الانتماء الضيق يمثل خطوة أساسية نحو بناء ثقافة عامة أكثر عقلانية. فالأوطان لا تنهض بتكرار الوجوه نفسها والأفكار نفسها والمجاملات نفسها. تنهض حين تجد الكفاءة طريقًا عادلًا للظهور، وحين يصبح الدليل أقوى من العلاقة، وحين يشعر الإنسان أن صوته يمكن أن يُسمع إذا حمل قيمة حقيقية. وفي بلد مثل اليمن، تصبح هذه المسألة ضرورة مرتبطة بالبقاء والتعافي، لأن إهدار العقول في زمن الأزمات يضاعف كلفة الأزمة نفسها.
في النهاية، تكشف ظاهرة إقصاء الفكرة بسبب صاحبها عن أزمة أعمق في ثقافة الاعتراف. فعندما يسبق الانتماءُ الحجة، تخسر الجماعة قدرتها على التعلم، وتخسر المؤسسة فرصتها في التطور، ويخسر المجتمع جزءًا من طاقته الكامنة. أما حين نعيد الاعتبار للعقل والكفاءة والإنصاف، فإننا نفتح نافذة أمام مستقبل مختلف؛ مستقبل يجد فيه كل صوت جاد فرصة عادلة لأن يُسمع، وتجد فيه كل فكرة نافعة طريقها إلى النقاش والعمل.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















