م. فؤاد ابوراس – مآلات ميديا:
في حياتنا اليومية نلتقي بأشخاص يملكون قدرة عجيبة على الخروج من المآزق. يعرفون كيف يتحدثون في اللحظة المناسبة، وكيف يقتربون من الشخص المؤثر، وكيف يقدّمون أنفسهم بصورة أكبر من حقيقتهم. قد يبدو الأمر، من بعيد، نوعًا من الذكاء الاجتماعي أو سرعة البديهة. وقد يكون كذلك فعلًا إذا ظل داخل حدود الأخلاق والاحترام والعمل الحقيقي. لكن هذه القدرة تتحول إلى مشكلة حين تصبح وسيلة للالتفاف، وتجاوز الآخرين، وبيع الكلام بدل الإنجاز، وصناعة صورة لامعة فوق واقع هش.
هنا تظهر الفهلوة بمعناها الثقيل. ليست تلك الحيلة البسيطة التي يلجأ إليها الإنسان أحيانًا كي يدبّر أمره في موقف صعب، وإنما ذلك السلوك الذي يجعل صاحبه يظن أن الحياة كلها مسرح، وأن الناس جمهور يمكن خداعه، وأن النجاح لا يحتاج إلى تعب بقدر ما يحتاج إلى حركة سريعة، ولسان حاضر، ووجه يعرف متى يبتسم ومتى يتجهم.
الفهلوي لا يعيش طويلًا في بيئة عادلة ومنظمة. البيئة التي تضع معايير واضحة، وتطلب الدليل، وتكافئ العمل، وتُحاسب على النتيجة، لا تترك له مساحة واسعة للمناورة. فرصته الحقيقية تبدأ عندما تضعف القواعد، وتصبح العلاقة أهم من الكفاءة، والانطباع أقوى من الحقيقة، والقرب من أصحاب القرار أكثر فائدة من جودة العمل نفسه. عندها يتحول الشخص المخلص إلى كائن متعب في نظر الآخرين، لأنه لا يبالغ، ولا يبيع الوهم، ولا يَعِد بما لا يستطيع، ولا يعرف كيف يلمّع الضعف كي يبدو نجاحًا.
المفارقة أن الفهلوي يبدو في البداية أكثر حضورًا. يدخل المجلس بثقة، يتحدث كثيرًا، يوزع الوعود، يلتقط مزاج المسؤول، ويقول لكل طرف ما يحب سماعه. أما الصادق فيبدو أبطأ، لأنه يحسب الكلمة، ويخاف من تضليل الناس، ويعرف أن الحقيقة لها ثمن. في البيئات التي اعتادت الضجيج، قد يُفهم هدوء الصادق على أنه ضعف، وتُفهم مبالغة الفهلوي على أنها قدرة. وهنا تبدأ الكارثة الصغيرة التي تكبر مع الوقت: يصبح الكلام بديلًا عن العمل، ويصبح التملق بديلًا عن الرأي، وتصبح الشطارة اسمًا مخففًا للانتهازية.
الفهلوي في حقيقته لا ينتصر لأنه أقوى من غيره، وإنما لأنه يختار غالبًا الطريق الذي لا يحتاج إلى شجاعة. يتجنب المواجهة الصريحة، ويهرب من معيار الكفاءة، ويتحرك حيث تقل الإضاءة وتكثر المجاملات. ولو وُضع أمام امتحان عادل، لا تحميه فيه علاقة، ولا ينجده فيه تصفيق، ولا تسنده فيه جماعة صغيرة تلمّع صورته، لانكشف سريعًا أن الضجيج كان أكبر من القدرة، وأن الحضور كان أعلى من القيمة، وأن الثقة التي يتحدث بها ليست دليل معرفة، وإنما وسيلة لإخفاء الفراغ.
ولذلك فإن الفهلوي لا يخاف من الفشل بقدر ما يخاف من الوضوح. الوضوح يضع كل شيء في مكانه: من عمل، ومن ادّعى؛ من حمل العبء، ومن تزاحم وقت الحصاد؛ من بنى بهدوء، ومن ظهر عند اكتمال البناء. لذلك يكره الفهلوي التوثيق الدقيق، ويضيق بالأسئلة المباشرة، وينزعج من أصحاب الذاكرة القوية. ذاكرة المؤسسة العادلة أخطر ما يهدد رجلًا يعيش على إعادة ترتيب الحكايات.
ليست الفهلوة كذب مباشر. أحيانًا تكون أخطر من ذلك. إنها قدرة على ترتيب الحكاية بطريقة تجعل الخطأ يبدو اجتهادًا، والتقصير يبدو ظرفًا قاهرًا، والاستفادة من جهد الآخرين تبدو قيادة ذكية. الفهلوي بارع في تحويل كل موقف لصالحه. إذا نجح العمل، كان هو صاحب الفكرة. وإذا فشل، كانت الظروف أكبر من الجميع. وإذا ظهر خلل، وجد شخصًا آخر يعلّق عليه المسؤولية. لذلك لا يزعجك الفهلوي لأنه يخطئ فقط، وإنما لأنه يريدك أن تصدق أن خطأه بطولة.
إنه لا يسرق الجهد بطريقة صاخبة دائمًا. أحيانًا يقترب منه بهدوء، يضع قدمه على حافته، ثم يبدأ تدريجيًا في تقديم نفسه كجزء من الإنجاز، ثم كصاحبه، ثم كمنقذه. وفي كل مرة يفعل ذلك، لا يخسر الآخرون حقهم فقط، وإنما تخسر المؤسسة قدرتها على معرفة من يعمل فعلًا ومن يجيد الوقوف قرب العمل. هذه واحدة من أبشع صور الظلم الهادئ: أن يتعب الصادق في بناء المعنى، ثم يأتي من يتقن لغة القرب ليحصد ضوءه.
واللافت أن الفهلوي غالبًا لا يكتفي بالاستفادة من الخلل، بل يدافع عنه ضمنيًا؛ لأن بقاء الخلل هو شرط بقائه. النظام الواضح يربكه، والمساءلة الجادة تضيّق عليه، والمعايير المكتوبة تسحب منه امتياز الحركة في الظل. لذلك تجده حاضرًا في كل مساحة رمادية، وفي كل قرار غير موثق، وفي كل بيئة يتقدم فيها الانطباع على الدليل. هو لا يحب الفوضى لذاتها، وإنما يحبها لأنها تمنحه ما لا يستطيع الحصول عليه في بيئة مستقيمة.
الأدهى أن الفهلوي يريد أن يحصل على ثمرة النزاهة دون أن يدفع كلفتها. يريد احترام الصادقين، ومكانة الأكفاء، وثقة الناس، لكنه لا يريد الطريق الطويل الذي يصنع هذه الأشياء. يريد القمة من السلم الخلفي، والوجاهة من دون أثر، والاعتراف من دون استحقاق. وحين يعجز عن بلوغ قيمة الآخرين، لا يراجع نفسه، بل يحاول تصغيرهم: يصوّر الجاد معقّدًا، والصادق ساذجًا، والحريص على النظام بطيئًا، وصاحب المبدأ غير مرن. هذه ليست قوة في شخصيته، إنها حيلة دفاعية تكشف أنه يعرف في داخله حجم الفارق.
ولهذا تبدو الفهلوة في صورتها المتقدمة أقرب إلى موهبة في تخفيض المعايير. فالفهلوي لا يرفع المؤسسة إلى مستوى الكفاءة، وإنما يحاول إنزال الكفاءة إلى مستوى لعبته. لا يريد سباقًا عادلًا، لأنه يعرف أن السباق العادل لا يكافئ من يبيع الانطباع. يريد مضمارًا ضبابيًا، يكثر فيه الكلام، وتختلط فيه الأدوار، ويصعب فيه التمييز بين صاحب الفعل وصاحب الرواية. وما إن يشتد الضوء، حتى تبدأ صورته في الاهتزاز.
وتبلغ الفهلوة أقبح صورها عندما يصاحبها احتقار مبطن لعقول الناس. حين يكذب صاحبها وهو يعلم أنه يكذب، ويأخذ من جهد غيره وهو يعرف ذلك، ثم يقف بثقة ليطلب التصفيق. هنا يتحول الأمر إلى شيء منفّر. فالإنسان قد يتسامح مع المخطئ إذا اعترف، وقد يعذر الضعيف إذا كان صادقًا، لكنه ينفر من شخص يرتدي ثوب الفضيلة وهو يطعنها كل يوم. يتحدث عن النزاهة وهو أول من يساوم عليها، وعن المصلحة العامة وهو لا يرى إلا مصلحته، وعن الكفاءة وهو يتسلق على أكتاف الأكفاء.
وتصبح الفهلوة أكثر قسوة عندما تُستخدم ضد الإنسان الصادق. عندما يتحول المخلص إلى مادة للسخرية، ويُصوَّر صاحب المبدأ كأنه ساذج، ويُدفع صاحب الكفاءة إلى الخلف لأنه لا يجيد ألعاب المجاملة والتزوير. في هذه اللحظة لا تسيء الفهلوة إلى شخص بعينه فقط، بل تسيء إلى فكرة العدالة نفسها. تجعل الصدق يبدو غباءً، والنزاهة تبدو عجزًا، والوقاحة تبدو مهارة. وهذه من أخطر اللحظات في أي مؤسسة أو مجتمع، لأن الناس لا تفقد ثقتها بالآخرين دفعة واحدة، بل تفقدها عندما ترى الخطأ يُكافأ والصواب يُحرج.
من هنا فإن أخطر ما يفعله الفهلوي أنه لا يكتفي بأن يكون ضعيف القيمة، وإنما يحاول جعل القيمة نفسها موضع سخرية. يريد أن يقنع الناس أن النزاهة مثالية زائدة، وأن الصدق قلة خبرة، وأن الالتزام بالنظام عجز عن “تدبير الأمور”. عندها يصبح ضرره أعمق من مصلحته الشخصية؛ لأنه لا يصعد وحده، بل يحاول أن يسحب معه معيار المجتمع كله إلى الأسفل.
الفهلوي قد يبدو ذكيًا لمن يراه من بعيد، لكنه من قريب شخص مرهق للبيئة من حوله. يحتاج دائمًا إلى تفسير، وتغطية، وتبرير، وإعادة صياغة، وشهود انتقائيين، وذاكرة مثقوبة. يترك خلفه ضجيجًا أكثر من الأثر، ووعودًا أكثر من النتائج، وحساسية مفرطة من أي سؤال واضح. أما صاحب القيمة الحقيقية فلا يحتاج إلى كل هذا الدفاع. يكفي أن تفتش في أثره، وفي من انتفعوا من عمله، وفي المسافة بين ما قاله وما فعله.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل الفهلوي وحده كل المسؤولية. فكل فهلوي يجد حوله بيئة تسمح له بالتمدد. هناك مسؤول يفضّل من يريحه على من يصارحه، وزميل يصفق له خوفًا أو مصلحة، ومجموعة توفر له الحماية، ونظام يغض الطرف عن التلاعب طالما أن الصورة الخارجية تبدو مقبولة. الفهلوة لا تكبر في الفراغ. إنها تحتاج إلى عين تتجاهل، وأذن تحب المديح، ويد توقع دون أن تسأل كثيرًا.
وحين ترتبط الفهلوة بالشِّللية تصبح أكثر خطرًا. الفرد الفهلوي قد يربك العمل، أما الفهلوة حين تتحول إلى شبكة فإنها تعيد تشكيل المكان كله. يصبح المهم: من معنا؟ من يدور في فلكنا؟ من يحمي روايتنا؟ لا يعود السؤال عن الأفضل أو الأصدق أو الأكثر كفاءة. وبهذه الطريقة يُقصى الجادون بهدوء. لا أحد يقول لهم ارحلوا، لكن الأبواب تضيق أمامهم، والملاحظات تُؤخذ عليهم، والفرص تمر من فوق رؤوسهم إلى من يجيدون فن القرب لا فن العمل.
في السياق اليمني، لهذه الظاهرة جذور مفهومة. سنوات طويلة من الاضطراب وضعف الدولة وانكسار الثقة بالمؤسسات جعلت كثيرين يعتادون ثقافة “دبّر حالك”. في الأصل، قد تكون هذه الثقافة وسيلة بقاء في ظروف قاسية. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول من تصرف اضطراري إلى طريقة إدارة، ومن حيلة عابرة إلى معيار للنجاح. عندها يصبح الالتفاف على النظام أسرع من إصلاحه، وتصبح المجاملة أسهل من قول الحقيقة، وتصبح العلاقات ممرًا بديلًا عن الكفاءة.
أكثر ما تؤذيه الفهلوة هو روح المخلصين. الموظف الجاد أو الإنسان الصادق لا ينكسر في يوم واحد. يتعب قليلًا قليلًا. يرى من يتحدث أكثر يتقدم، ومن يعمل أكثر يتأخر. يرى من يلمّع نفسه يحظى بالثقة، ومن يقول الحقيقة يُتّهم بالتعقيد. ومع الوقت يبدأ السؤال القاسي في داخله: ما جدوى الصدق إذا كان الكذب أكثر ربحًا؟ ما قيمة الإخلاص إذا كان التصفيق يذهب لمن يسرق الأثر؟ هنا تخسر المؤسسة شيئًا لا يظهر في التقارير: تخسر الحماس، والثقة، والضمير المهني، والرغبة الصادقة في العطاء.
الفهلوة تعطي مكاسب سريعة، لكنها لا تبني شيئًا عميقًا. قد تنجح في اجتماع، أو تلمع في تقرير، أو تمرر موقفًا محرجًا، لكنها لا تصنع مؤسسة محترمة. المؤسسة لا تقوم على الوعود، ولا على الوجوه القريبة من المسؤول، ولا على الأشخاص الذين يعرفون كيف ينجون من كل خطأ. المؤسسة تقوم على العمل المتراكم، والوضوح، والمساءلة، وحماية الإنسان الذي يقول الحقيقة حتى عندما تكون مزعجة.
الفهلوي لا يخشى الصادق لأنه ساذج، وإنما لأنه مرآة. الصادق يربكه لأنه يذكّره بأن هناك طريقًا نظيفًا للنجاح، وأن المشكلة الحقيقية ليست قلة الفرص، وإنما قلة الاستحقاق. وهذا ما لا يحتمله الفهلوي: أن يرى أمامه إنسانًا لا يحتاج إلى الالتفاف كي يكون محترمًا، ولا يحتاج إلى الضجيج كي يكون مؤثرًا، ولا يحتاج إلى الشلة كي يكون حاضرًا بقيمته.
لذلك فإن مواجهة الفهلوة لا تكون بالخطب الأخلاقية وحدها. لا يكفي أن نمدح الصدق ونذم التحايل. المطلوب أن تصبح البيئة نفسها عادلة بما يكفي كي لا يحتاج الصادق إلى الدفاع المستمر عن نفسه، وكي لا يجد الفهلوي ممرات سهلة للصعود. نحتاج إلى معايير واضحة، وتقييم قائم على الدليل، وتوثيق للقرارات، ومحاسبة لا تختار ضحاياها بعناية، وقيادة تفهم أن من يصارحها قد يكون أنفع لها من ألف شخص يجاملها.
في النهاية، الفهلوة ليست دليل ذكاء كما يحب أصحابها أن يروّجوا. هي في كثير من الأحيان دليل على خلل في المكان الذي سمح لها أن تكبر. عندما تضعف المؤسسة، يصبح الالتفاف أسرع من الاستقامة، ويصبح الصوت العالي أقوى من العمل الهادئ، ويصبح القرب من الشلة أهم من القرب من الحقيقة. وعندما تقوى المعايير، يعود كل شيء إلى حجمه الطبيعي: يظهر صاحب الأثر، وينكشف صاحب الانطباع.
الشطارة الحقيقية ليست أن تعرف كيف تخدع الناس، ولا أن تقفز فوق أكتاف غيرك، ولا أن تجعل الوقاحة تبدو ثقة. الشطارة الحقيقية أن تنجح دون أن تخون قيمك، وأن تتحرك بذكاء دون أن تظلم أحدًا، وأن تبني حضورك على عملك لا على ضجيجك. أما المجتمعات التي تجعل الفهلوة طريقًا للصعود، فإنها لا تظلم الصادقين وحدهم، بل تظلم مستقبلها كله.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















