مآلات ميديا – مآلات محلية :

في مدينة تعز التي أنهكتها الحرب وتعبت أحياؤها من رفع شعارات “الوطنية” المتناقضة، تخرج إلى السطح رواية جديدة عن شحنة أسلحة إماراتية دخلت المدينة بهدوء لافت، لتكشف مرة أخرى أن من يتشدقون بتمثيل اليمن ليسوا سوى واجهات متصارعة على خدمة أجندات خارج الحدود. فبحسب مصادر ميدانية، دفع طارق صالح، قائد الفصائل المدعومة إماراتيًا في الساحل الغربي، بتعزيزات وشحنة سلاح إلى داخل تعز، معقل خصومه في حزب الإصلاح، في لحظة تتزامن مع ترتيبات سعودية وخليجية لإعادة تشكيل ميزان القوى داخل المدينة وإزاحة الحزب من آخر معاقل نفوذه. وهنا يتبدى جوهر المشهد: أقطاب تتناحر تحت لافتة “الشرعية” و”الجمهورية” و”الهوية الوطنية”، بينما تفاصيل الوقائع على الأرض تقول إن بندقية القرار لا تزال معلقة على كتف الممول الخارجي.

اللافت في هذه الشحنة ليس فقط مصدرها الإماراتي، بل مسار دخولها وأدوات توزيعها؛ إذ تشير المعلومات إلى أن “شرطة” تعز رصدت إدخال الأسلحة عبر نجل رئيس برلمان التحالف، صهيب البركاني، قبل أن تُوزّع على مشايخ مؤتمر مقربين منه، في شبكة علاقات تبدو فيها العائلة والحزب والمال السياسي خيوطًا في نسيج واحد. الأخطر أن من بين تلك الأسلحة مسدسات كاتمة للصوت، وهي ليست أدوات معارك مفتوحة في الجبهات، بل أدوات تقليدية لحروب الظل والاغتيالات النوعية وتسوية الحسابات بصمت في الأزقة والممرات الخلفية. هذا التفصيل وحده يكفي ليشير إلى أن المدينة تقف على عتبة مرحلة جديدة، لا تُحسم فيها المعارك عبر الجبهات والسواتر، بل عبر ضرب شخصيات محددة وخلخلة موازين النفوذ داخل البنية الأمنية والإدارية، خدمة لمسار خارجي أكبر يرسم في غرف مغلقة بعواصم أخرى.

وتزداد الصورة قتامة عندما تتضح ملامح الشبكة التي تقف وراء هذا التحرك. فالمصادر نفسها تتحدث عن أن الشخصيات التي تلقت الأسلحة تدخل في نطاق ما يعرف بـ”خلية عمار” التي يقودها شقيق طارق صالح، إلى جانب مقربين يقيمون في العاصمة المصرية القاهرة، في إشارة إلى أن إدارة هذه اللعبة تتجاوز حدود تعز واليمن إلى مدى إقليمي أوسع. بهذا التكوين، تتحول الفصائل التي تقدّم نفسها كقوى “مقاومة للمشروع الحوثي” أو “مدافعة عن الجمهورية” إلى مجرد حلقات في سلسلة ممتدة من غرف عمليات الخارج إلى ميادين الداخل، وتغدو تعز مسرحًا لتصفية حسابات بين أجنحة “التحالف” نفسه أكثر منها ساحة دفاع عن قضية وطنية واحدة. هنا تحديدًا تتجلى الفكرة الجوهرية: حين تستورد البنادق مع الأجندة، يصير دم المدينة تفصيلًا ثانويًا في معادلة رضا الممولين.

في المقابل، يعيش حزب الإصلاح – بوصفه جناح الإخوان المسلمين في اليمن – حالة استنفار سياسي وإعلامي، ليس بمواجهة “الانقلابيين” أو “العدو الخارجي” كما يفترض خطاب التنظيمات الوطنية، بل في مواجهة شريك الأمس في معسكر التحالف الذي بات اليوم رأس حربة في مسار تفكيك نفوذه. الحزب صعّد خلال الأيام الأخيرة من حملته ضد نجل البركاني، وبدأ يتعامل معه كرمز لمسار جديد يستهدف إزاحته من معقله في تعز، في إطار ترتيبات ترعاها السعودية تتضمن إعادة توزيع الفصائل وتفكيك قوة الإصلاح العسكرية. وهكذا، لا يعود الصراع صراع رؤى لبناء دولة، بل تنافسًا على من يحظى بثقة أكبر لدى الرياض وأبوظبي، ومن يكون “الوكيل الأوثق” في تنفيذ ما يُرسم خارج البلاد، بينما يُترك الشارع اليمني يتفرج على مشهد تبدو فيه العبارات الوطنية مجرد لافتات لتمويه لعبة النفوذ.

وإذا ما تعمقنا في مسار التوتر بين طارق والإصلاح، يتضح أن شحنة الأسلحة الأخيرة مجرد حلقة جديدة في سلسلة صراع ممتد. فالحزب كان قد نقل المواجهة إلى مديرية الوازعية، التي خسرها طارق فعليًا، وسعى إلى تطويق حضوره هناك عبر الأدوات الأمنية والفصائل المحلية، بينما يحضّر طارق بدوره لضربة داخل معقل الحزب في المدينة، مستندًا إلى تسلمه رسميًا قيادة فصائل عسكرية من السعودية ومحاولًا استثمار هذا التفويض في إعادة هندسة الخريطة الأمنية لصالحه. هذه المواجهة المتبادلة تكشف أن ما يجري ليس تنافسًا بين مشروعين مستقلين، بل تفاوض بالسلاح حول من يملك حق تمثيل “الخط الخارجي” على الأرض اليمنية، ومن ينال شرف لعب دور “الشريك المفضل” للأجنحة المتصارعة داخل التحالف ذاته.

في قلب هذا الاشتباك، تظهر الورقة الأمنية كأداة ابتزاز متبادلة، حيث يسعى طارق إلى الإطاحة بمدير أمن تعز، منصور الأكحلي، المحسوب على الإصلاح، وفتح الطريق لتعيين رامي رشيد في مواقع أمنية حساسة، بعد أن أطاح به الحزب سابقًا. ما يبدو ظاهريًا كجدل حول كفاءة القيادات الأمنية هو في جوهره جزء من معركة أشمل على مفاصل القرار الأمني، لأن السيطرة على الأجهزة الشرطية والأمنية في مدينة مثل تعز تعني القدرة على إدارة ملفات الاعتقالات والتحقيقات وغرف العمليات، وبالتالي التحكم في إيقاع الشارع سياسيًا واجتماعيًا. وهنا يتجلى بوضوح حجم المفارقة: ترفع الأطراف شعارات بناء مؤسسات الدولة، بينما تتعامل مع تلك المؤسسات باعتبارها غنائم يجب اقتسامها بين جماعات لا ترى في الأمن سوى أداة لترسيخ نفوذها لصالح أجندة من خارج الحدود.

وعند إسقاط هذه التفاصيل على الصورة اليمنية الكبرى، يتضح أن ما يجري في تعز ليس استثناءً، بل نموذجًا مكثفًا لحالة عامة تعيشها مناطق النفوذ الخاضعة للمظلة السعودية الإماراتية؛ حيث تتعدد الرايات والوجوه، لكن بوصلة التمويل والقرار تشير إلى الخارج غالبًا أكثر مما تشير إلى صنعاء أو عدن أو تعز. فالقوى التي تقدّم نفسها كحراس “الجمهورية” أو دعاة “الدولة المدنية” تعمل، في الواقع، ضمن هامش رسمته غرف الممولين الإقليميين، وتتحرك وفق إيقاع التوجيهات والاتفاقات التي لا يطّلع عليها اليمنيون الذين يقدّمون دماءهم على خطوط التماس والأزقة. الأحداث اليومية، من شحنات سلاح إلى تغييرات أمنية إلى حملات إعلامية متبادلة، تفضح هذه الحقيقة: لسنا أمام تيارات وطنية مستقلة تتصارع على مشروع لنهضة اليمن، بل أمام جماعات تتنافس بضراوة على رضا مشغليها، ما يجعل الولاء الخارجي غالبًا على أي اعتبار وطني آخر.

في ضوء ذلك، يصبح السؤال الذي يجب أن يُطرح في الشارع اليمني ليس: من ينتصر في تعز، طارق أم الإصلاح؟ بل: لمن يعمل هؤلاء في النهاية، وأي يمن سيُترك بعد أن تفرغ هذه القوى من صراعها على رضاء العواصم الممولة؟ فحين تتحول مدينة محاصرة منهكة إلى ساحة تجارب لأسلحة تأتي بأختام إماراتية، وتصبح المناصب الأمنية مجرد قطع في رقعة شطرنج إقليمية، لا يعود ممكنًا تصديق خطابات الوطنية التي تُلقى على المنابر. ما ترويه هذه الشحنة من السلاح، وما يرافقها من تحركات سياسية وأمنية، هو حكاية بلد اختُطف قرارُه لصالح وكلاء يتنازعون الأجور والنفوذ، بينما تبقى السيادة الحقيقية غائبة، تنتظر لحظة صحو يدرك فيها اليمنيون أن الصراع بين “الممولين بالوكالة” ليس قدرًا، وأن إعادة تعريف الوطنية تبدأ من رفض تحويل المدن إلى منصات لتصفية الحسابات الخارجية.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.