مآلات ميديا – متابعات:
في لحظة إقليمية تتداخل فيها مسارات النار من غزة إلى طهران، خرج صوت إيراني برلماني رفيع ليعلن بصراحة غير مسبوقة أن زمن الهيمنة الأميركية في المنطقة يترنّح، وأن من يفتح أرضه للعدوان عليه أن يستعد لتحمل مرارة الرد وحده. روح الله متفكر آزاد، عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، لم يكتفِ بتوصيف المشهد بل أعاد صياغة معادلة الردع بلغة مباشرة حين كشف أن العدوان على إيران انطلق من الأراضي الإماراتية، وأن الرد لم يكن سوى دفاع مشروع استهدف القواعد الأميركية بدقة محسوبة، مع تأكيد حاسم على التفريق بين الشعوب العربية وحكام هرولوا نحو أحضان الكيان الصهيوني على حساب أمن أوطانهم وكرامة شعوبهم. بهذه الكلمات، وضعت طهران إصبعها على جرح معادلة “الوكالة” في المنطقة، معلنة أن من يختار أن يكون منصة للنار الأميركية والصهيونية لن يُستثنى من حساب الجغرافيا ولا من منطق الرد.
من هذه النقطة، يصبح إسقاط المشهد على الواقع اليمني ضرورة لا ترفًا؛ فاليمن، الذي يقف على بوابة باب المندب والبحر الأحمر، ليس ساحة هامشية في معادلة الردع التي تحدث عنها آزاد، بل هو أحد ميادين التجسيد العملي لمفهوم “وحدة الساحات” الذي تدفع به طهران إلى الواجهة. حين تقول إيران إن العدوان جاء من الإمارات، فهي لا تتحدث عن موقع معزول، بل عن عقدة في شبكة تمتد من قواعد عسكرية إلى موانئ وممرات بحرية، يكون فيها البحر الأحمر وخليج عدن جزءًا من الجغرافيا القابلة للاستخدام في أي مواجهة مقبلة، وهنا تحديدًا يبرز اليمن بوصفه نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها. فكل توسع لدور الإمارات الأمني والعسكري في السواحل اليمنية والجزر الإستراتيجية يُقرأ في طهران كجزء من منظومة أوسع لوكلاء واشنطن والكيان الصهيوني، ومعه تتعاظم احتمالات أن يصبح هذا الحضور هدفًا مشروعًا في أي جولة جديدة من جولات كسر الهيمنة.
التحذير الإيراني من أن واشنطن ستخرج في النهاية وتترك “وكلاءها” يواجهون مصيرهم وحيدين، يبدو عند إسقاطه على التجربة اليمنية أقرب إلى قراءة استباقية لمسار سبق لليمنيين أن لمسوا ملامحه خلال سنوات الحرب. فقد شاهدت صنعاء كيف يجري استخدام أوراق القوى المحلية والإقليمية في الميدان، ثم يجري تركها في لحظات التفاوض أو إعادة ترتيب الأولويات الدولية، وهو ما يجعل رسالة طهران اليوم ذات وقع خاص في الساحة اليمنية: لا تراهنوا على مظلة أميركية لن تدوم، ولا على تحالفات عابرة تستند إلى حسابات السوق والسلاح لا إلى ثوابت الجغرافيا والتاريخ. ومع كل خطوة تتعمّق فيها علاقة بعض العواصم الخليجية بالكيان الصهيوني، تتسع دائرة الشك في اليمن تجاه الدور الذي يُراد لبلادهم أن تلعبه في مشروع تطويق محور المقاومة من البحر والبر معًا.
ولعل أخطر ما في كلام آزاد هو رسمه خطًّا أحمر جديدًا حين ربط بين وقف إطلاق النار في إيران ولبنان في آن واحد، في تأكيد صريح على أن “وحدة الساحات” لم تعد شعارًا إعلاميًا بل تحوّلت إلى معادلة عملياتية. هذا الربط بين طهران وبيروت يعني عمليًا أن أي اشتباك مع إيران لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل سيتمدد تلقائيًا إلى جبهة حزب الله التي وصفها النائب الإيراني بأنها باتت تمتلك اليد الطولى التي أعجزت تكنولوجيا الكيان الصهيوني وجعلت جنرالاته يغرقون في دوامة الفشل. وإذا كانت هذه هي طبيعة الاستجابة في الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، فإن قراءتها يمنيًا تشير إلى أن البحر الأحمر وباب المندب، حيث تنشط القوات اليمنية في استهداف السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني وحلفائه، جزء من المنظومة نفسها، وأن اليمن تحوّل من ساحة متلقية للضربات إلى ساحة مبادرة تفرض كلفًا مباشرة على الاقتصاد العالمي وشرايين التجارة المرتبطة بالغرب والكيان.
من هنا تتضح مآلات التحذير الإيراني في جانبه اليمني: كلما ثبت أن أراضي دول الخليج تُستخدم منصة للعدوان على إيران أو على قوى محور المقاومة، ازداد احتمال أن يتحول الحضور العسكري والأمني لتلك الدول في اليمن إلى هدف مباشر أو غير مباشر، سواء عبر عمليات بحرية في الممرات الإستراتيجية أو عبر إعادة ترتيب موازين القوى في الميدان اليمني بما يحد من نفوذ هذا الحضور أو يطوّقه. وبهذا المعنى، فإن الرسالة لا تُوجّه إلى أبوظبي والرياض وحدهما، بل إلى كل اللاعبين الذين اختاروا الرهان على المظلة الأميركية والغطاء الصهيوني في إدارة ملف اليمن، لأن استمرار هذا النهج يعني – وفق المنطق الإيراني – تحويل اليمن من ملف نزاع محلي إلى نقطة اشتباك مفتوحة في معادلة إقليمية أكبر.
إلى جانب ذلك، فإن التفريق الذي شدد عليه آزاد بين الشعوب العربية وحكام التطبيع يفتح نافذة مهمة لفهم كيف تريد طهران أن تخاطب الداخل اليمني. فإيران، وهي تقدم نفسها كطرف يقف في صف المقاومة في غزة ولبنان واليمن، تحاول أن ترسخ خطابًا مفاده أن الشعب اليمني ليس خصمًا، وأن اليمنيين ليسوا امتدادًا سياسيًا لمن يفتح قواعده وأجواءه للعدوان، بل ضحايا لمعادلة مفروضة تستخدم جغرافيتهم كورقة في صراعات لا تخدم مصالحهم الوطنية. هذا الخطاب، حين يلتقي مع التجربة المعاشة في صنعاء والمناطق الأخرى التي دفع أهلها ثمن الحصار والحرب والتدخلات، يمنح الموقف الإيراني قوة إضافية، لأنه لا يكتفي بإدانة السياسات بل يمد يدًا سياسية ومعنوية إلى الناس الذين دفعوا ثمن تلك السياسات.
وبالعودة إلى جوهر التصريحات، يتضح أن طهران لا تتحدث فقط عن رد صاروخي مضاد، بل تعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي من زاويتها: أمن إيران لا ينفصل عن أمن لبنان وغزة واليمن وسائر ساحات محور المقاومة، وأمن هذه الساحات لا يمكن ضمانه بوجود قواعد أميركية تتحرك بلا حساب من أراضي دول قررت أن تجعل نفسها جزءًا من منظومة العدوان. وهذه المقاربة تعني أن أي تسوية مستقبلية في اليمن لن تكون منعزلة عن التوازنات الإقليمية الجديدة التي ترسمها صواريخ الردع وصمود الجبهات من الجنوب اللبناني إلى العمق الإيراني، وأن من يتجاهل هذا البعد سيجد نفسه يوقّع اتفاقات على الورق لا تصمد أمام أول اهتزاز في سماء المنطقة.
بهذا الترابط، يتحول تصريح برلماني إيراني إلى ما يشبه “وثيقة سياسية” تعيد ترتيب أولويات المشهد: من يظن أن اليمن مجرد ساحة ضغط يمكن إدارتها بالأدوات القديمة، يتجاهل حقيقة أن الخارطة تغيرت، وأن كل خطوة تطبيع مع الكيان الصهيوني، وكل تسهيل لعدوان أميركي من أرض عربية، يفتح بابًا جديدًا لردود فعل قد تأتي من حيث لا يتوقع أحد، من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن سماء طهران إلى مياه البحر الأحمر. وفي قلب هذا المشهد، يبدو الموقف الإيراني – كما تعكسه هذه التصريحات – أقرب إلى إعلان صريح بأن مرحلة “اللعب تحت سقف الهيمنة الأميركية” تقترب من نهايتها، وأن زمن الوكلاء العابرين يفسح المجال لصيغة جديدة عنوانها: من يختار التحالف مع العدو، عليه أن يستعد لتحمل تبعات أن يصبح هدفًا في معادلة الرد لا مجرد شاهد على حطامها.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















