م. فؤاد ابوراس – مآلات ميديا :
وافقت بريطانيا على طلب ضاحي خلفان نائب رئيس شرطة دبي الأسبق اللجوء السياسي لكن لم يكن إعلان طلب اللجوء مجرد محطة في سيل الأحداث اليومية، بل تحول إلى علامة فارقة في مسار رجل كان يوماً أحد أبرز الأصوات التي تعكس المزاج السياسي والأمني للإمارات في المنطقة، قبل أن ينتهي به المطاف لاجئاً خارج بلاده التي كان يتحدث باسمها ويهاجم خصومها. هذا التحول الدراماتيكي اكتمل حين نشر خلفان رسالة وداعية حادة النبرة، خاطب فيها حكام الإمارات بلغة أقرب إلى بيانات القطيعة التاريخية، قائلاً: «وداعاً لمن استرخصوا وجودي.. الرحيل بكرامة هو البقاء الحقيقي.. بسببكم أنا اليوم مشرد ولاجئ وسأعيش في غير بلدي الذي أهنتموني فيه»، في اعتراف صريح بحجم الانكسار الشخصي والسياسي الذي يعيشه، وإقرار غير مباشر بأن المنظومة التي خدمها لعقود لم تتردد في التضحية به عند أول منعطف حاد.
في هذه الرسالة التي توصف بأنها وثيقة خروج من النظام لا مجرد فضفضة شخصية، يسرد خلفان بعضاً من تجربته القاسية في السجن، حيث تحدث عن أيام «طويلة وثقيلة» قضاها خلف القضبان «دون أي مبرر أو تأسف عن الإهانة» التي تعرض لها داخل السجن وخارجه، لمجرد «زلة لسان بكلمة» كما يصف. ويرسم الرجل صورة دقيقة لنفسية مسؤول أمني اعتقد أنه تجاوز «سن التأديب» وأصبح من «كبار رجال الدولة وعقلائها»، قبل أن يكتشف – بحسب تعبيره – أنه في نظر من كان يظنهم شركاءه في الحكم «لا شيء»، وأن ما تعرض له لم يكن مجرد «إهانة أو سجن بلا مبرر» بل «رصاصة قاتلة» أنهت وجوده بينهم «إلى الأبد» ولن يغفرها لهم. وتبقى «زلة اللسان» التي يشير إليها خلفان محوراً غامضاً في روايته؛ فالرجل لم يكشف صراحة عن مضمون العبارة أو الموقف الذي اعتبرته السلطات تجاوزاً، ما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة حول حدود النقد المقبول داخل دوائر الحكم، ويجعل من هذا الصمت جزءاً من رسالة غير معلنة عن طبيعة الخطوط الحمراء التي لا يُسمح حتى للمقرّبين بتجاوزها.
وإذا كان خلفان يقدّم نفسه اليوم بوصفه ضحية منظومة أمنية لم ترحم حتى من خدمها، فإن ذاكرة اليمنيين والعرب تحتفظ له بصورة مختلفة تماماً، صورة المسؤول الأمني الإماراتي الذي بنى جزءاً كبيراً من حضوره الإعلامي على منصة «تويتر» (إكس لاحقاً)، عبر سلسلة من التغريدات التي حملت قدراً واسعاً من الإساءة والتشفي تجاه اليمن واليمنيين، وتبنت بوضوح نزعات تقسيمية وانفصالية انسجمت في جوهرها مع المشروع الإماراتي في اليمن. فمنذ عام 2015، برزت تغريدات خلفان باعتبارها أحد أهم النوافذ التي تظهر عبرها رؤية أبوظبي للعدوان على اليمن، ولخريطة ما بعد العدوان، بما في ذلك فكرة فصل الشمال عن الجنوب، وتأسيس كيان جنوبي خاضع للهيمنة الإماراتية ومتحرر من الكيان اليمني الاصيل
في إحدى تغريداته الأكثر استفزازاً، هاجم خلفان العاصمة صنعاء وهاجم أهلها بعبارات غير لائقة، قائلاً: «من يقارن عدن بصنعاء كمن يقارن ملكة جمال بعجوز شمطاء»، في تشبيه صادم يجمع بين التنميط المناطقي والإهانة العمرية والثقافية في آن واحد. وفي تغريدة أخرى اختزل صنعاء العريقة، بتاريخها وحضارتها ووزنها السياسي، في صورة كاريكاتورية حين كتب: «صنعاء لم تعد أكثر من سوق خناجر وباعة قات»، في تعبير يعكس نزعة واضحة لتقليل شأن المدينة وإخراجها من أي سياق سياسي أو حضاري لصالح «عدن الجديدة» التي أرادت أبوظبي تكريسها كعاصمة بديلة لليمن الجنوبي المنشود. هذه اللغة لا تُقرأ فقط كإساءة لشعب، بل كجزء من خطاب ممنهج يهدف إلى خلق هرمية مناطقية تبرر مشروع التقسيم والانفصال تحت غطاء «الحداثة» في الجنوب مقابل «التخلف» في الشمال.
وذهب خلفان كذلك إلى تبني مواقف سياسية مباشرة تدعو إلى شرعنة تقسيم اليمن، حين كتب معلناً ما أسماه «اعترافه الشعبي» بدولة الجنوب العربي، قائلاً: «أعلن اعترافي الشعبي بدولة الجنوب العربي اعتباراً من هذه اللحظة دولة مستقلة ذات سيادة»، في تغريدات اعتبرها كثير من المراقبين ترجمة صريحة للأجندة الإماراتية في اليمن. كما نشر صورة علم «اليمن الجنوبي» السابق مع تعليق شعري الهوى: «علم يرفف في الجنوب بسارية.. أنا جنوبي والقرار قراريه»، في محاولة لإضفاء نَفَس وجداني على موقف سياسي يتسم في جوهره بالتدخل في سيادة دولة أخرى والتحريض على إعادة إنتاج الانقسام الجغرافي والتاريخي. هذه العبارات لم تُستقبل في اليمن بوصفها آراءً فردية لمسؤول متقاعد، بل كإشارات من «رجل مقرب من القيادة الإماراتية» على ما تريده أبوظبي فعلياً من مشاركتها في العدوان الذي تقوده السعودية.
تراكمت هذه التغريدات المسيئة لليمن واليمنيين على مدى سنوات، حتى وصلت في إحدى محطاتها إلى ما يشبه نكران الأصل العربي ذاته، حين كتب خلفان تغريدة أثارت موجة استهجان وسخرية واسعة، قال فيها: «إذا كان العرب ينتسبون إلى اليمن فأنا أتبرأ من الانتساب إلى العرب»، في استهداف مباشر لجذور السلسلة العربية التي ينسب معظم النسابة العرب أصولها إلى اليمن. ولم تكن هذه الجملة مجرد نوبة غضب دعتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت
، بل امتداداً لخطاب يُراد له أن يفك الارتباط الرمزي بين الخليج واليمن، وأن يصنع مسافة نفسية وسياسية بين السواحل المزدهرة نفطياً وبين «اليمن الفقير» الذي يُراد تقديمه كمصدر للأزمات لا كمهد للحضارة العربية. هذا المستوى من الإنكار الرمزي يكتسب اليوم بعداً إضافياً حين يُقارن بما آل إليه وضع كاتب التغريدة ذاته، وهو يسعى إلى تثبيت حقه الإنساني في اللجوء خارج محيطه العربي، بعد أن ضاقت به الأرض في بلده الذي خدمه عقوداً.
غير أن المشهد بدأ ينقلب تدريجياً على صاحبه، فبعد سنوات من الحضور الكثيف على «تويتر» ومراكمة الجدل، وجد خلفان نفسه في مواجهة موجة غضب يمنية وعربية متصاعدة، وصلت حد المعارك الإعلامية المفتوحة والردود اللاذعة التي أجبرته في مرحلة ما على إعلان توقفه عن التغريد لفترات، مبرراً ذلك بأنه يمنح «الحدث فرصة ليلتقط أنفاسه ويفتح عيونه»، في إشارة إلى حجم التوتر الذي كانت تخلقه تصريحاته في الفضاء العام. كما وثّقت تقارير صحفية أن تغريداته المسيئة لليمن كانت الأكثر تفاعلاً بين كل ما ينشره، ما يعني أن جزءاً من حضوره الرقمي كان يقوم على سياسة «الاستفزاز المدروس» لتحريك حسابه وإبقائه في دائرة الضوء، حتى وإن كان ذلك على حساب كرامة شعوب عربية تعيش تحت النار والحصار.
تبدو المفارقة صارخة بين ما كان يمثله خلفان في ذروة نفوذه، وبين الصورة التي يقدمها اليوم لنفسه وهو يكتب: «بسببكم أنا اليوم مشرد ولاجئ»، ويعلن رحيله عن وطنه الذي اعتقد أنه أحد «كبار رجاله» قبل أن يكتشف أنه في نظر صانعي القرار مجرد رقم قابل للإسقاط. فالرجل الذي كان يتعامل مع اليمن كملف أمني وسياسي يمكن إعادة تشكيله بتغريدة أو تصريح، يجد نفسه الآن في موقع «الهامش» داخل منظومة السلطة التي طالما دافع عنها، إلى الدرجة التي يدخل فيها السجن دون «مبرر» كما يقول، ويخرج منه محملاً بشعور عميق بأن «رصاصة سياسية» أطلقت على مسيرته أنهت «وجوده بينهم إلى الأبد». هذه النهاية تحمل في طياتها درساً قاسياً عن طبيعة المشاريع التي تُبنى على التدخل في شؤون الآخرين والإساءة إلى كرامتهم الوطنية، إذ سرعان ما تتحول أدوات هذا المشروع إلى عبء داخلي عندما تتغير الحسابات أو يتبدل ميزان القوى.
هنا يبرز بعد أخلاقي لا يمكن تجاهله في قراءة مسار ضاحي خلفان؛ فبينما كان اليمنيون يواجهون تداعيات عدوان مدمر ألحق ببلدهم خسائر بشرية ومادية هائلة، كان صوت الرجل حاضراً في الفضاء الرقمي كجزء من آلة خطابية تزدري هذا الشعب وتستهين بمعاناته، وتتعامل مع تمزق جغرافيته باعتباره «حلاً ذكياً» لمشاكل المنطقة. اليوم، يكتب الرجل ذاته عن مرارة «التشرد» والعيش «لاجئاً في غير بلده» بسبب قرار سياسي لم يشارك فيه، وعن إحساس بالمهانة داخل السجن وخارجه، وهي مفردات تطابق في جزء كبير منها المفردات التي يستخدمها ملايين اليمنيين لوصف واقعهم بعد عقد من العدوان. الفارق أن اليمني يواجه هذا المصير نتيجة عدوان خارجي ، بينما يواجه خلفان جزءاً من هذه القسوة من داخل النظام الذي كان جزءاً من بنيته وأداته في آن واحد.
في ضوء ذلك، لا تبدو رسالة الوداع التي خطها ضاحي خلفان مجرد تعبير عن حزن شخصي، بل يمكن قراءتها كمرآة مقلوبة لمشروع إقليمي أوسع شارك في صياغته والترويج له، مشروع تعامل مع اليمن كفضاء مستباح للسياسات والمغامرات، قبل أن يرتدّ جزء من مفاعيله على بعض رموزه في صورة تهميش وسجن ونفي غير معلن. وبين الرجل الذي كتب يوماً أنه «يتبرأ من الانتساب إلى العرب إن كان العرب ينتسبون إلى اليمن»، والرجل الذي يودّع اليوم بلده قائلاً: «الرحيل بكرامة هو البقاء الحقيقي»، تتشكل حكاية كاملة عن غرور السلطة حين تطغى، وعن هشاشة النفوذ حين يُبنى على الإساءة للآخرين بدل الاحترام المتبادل، وعن مآلات خطاب الكراهية حين يعود ليحاصر أصحابه في دائرة ضيقة تنتهي بطلب اللجوء والهروب من المشهد.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















