مآلات ميديا – جنوب لبنان :
في غضون أيام قليلة فقط، تحوّل الجنوب اللبناني ومقابله في الجليل إلى مسرح تتجلى فيه براعة المقاومة في توظيف الهندسة العسكرية الحديثة، بعد أن نجح حزب الله عبر مسيّرات انقضاضية من طراز FPV في تدمير منظومة اعتراض للمُسيّرات داخل الأراضي اللبنانية أولاً، ثم استهداف وتدمير منصة لمنظومة «القبة الحديدية» تابعة للجيش التابع للكيان الصهيوني قرب موقع جلّ العلام لاحقاً. هذا التسلسل الدقيق بين الضربتين لا يبدو حادثاً عابراً، بل يكشف عن تخطيط هادئ ومتدرج يهدف إلى إعادة كتابة معادلة التفوق في السماء، وإثبات أن المقاومة قادرة، بإمكانات أقل كلفة وأكثر ابتكاراً، على الوصول إلى عمق المنظومات التي طالما تغنّى بها العدو بوصفها درعه الذي لا يُخترق.

العملية الأولى حملت رسالة مزدوجة في الشكل والمضمون، إذ بثّ حزب الله مشاهد لاستهداف منظومة مضادة للمسيّرات داخل الأراضي اللبنانية تتكوّن من رادار وكاميرات وأجهزة تشويش، عبر مسيّرة مفخخة انقضّت بدقة على وحدة التحكم الرئيسية للنظام ليُشلّ أداؤه في لحظات. بهذا الضرب المحسوب، لم تكتف المقاومة بإسكات «عين» إلكترونية تحاول مراقبة سمائها والتجسس على تحركاتها، بل أعلنت عملياً أن زمن تفرد العدو بمجال الحرب الإلكترونية قد انتهى، وأن اليد التي تُمسك بالمسيّرة باتت قادرة على تعطيل الأداة التي صُمِّمت خصيصاً لاصطيادها. ومن خلال هذا الاختراق الهندسي الميداني، بدا واضحاً أن المقاومة انتقلت من مرحلة الدفاع عن المجال الجوي إلى مرحلة هجومية تستهدف قلب البنية التكنولوجية التي كان يعوّل عليها العدو لتقييد حركة المُسيّرات.

من هذه الضربة المؤسسة انتقل حزب الله بسلاسة إلى مستوى أعلى من التحدي، حين أعلن بعد أيام قليلة استهداف منصة «قبة حديدية» مستحدثة للجيش التابع للكيان الصهيوني قرب موقع جلّ العلام عبر مسيّرة انقضاضية أصابت المنصة إصابة مباشرة وأخرجتها من الخدمة. في لحظة واحدة، وجدت منظومة لطالما قُدِّمت على أنها عنوان «الأسطورة الدفاعية» للكيان نفسها هدفاً سهلاً لمسيّرة صغيرة، في مشهد قلب معادلة الصورة: من قبة تحمي سماء العدو إلى هدف مكشوف في مرمى عيون المقاومة وأدواتها. وبذلك تحوّل ما كان يُسوَّق بوصفه مظلة أمان للكيان الصهيوني إلى نقطة ضعف يمكن النفاذ منها، لتؤكد المقاومة أن زمن احتكار العدو للتكنولوجيا المتقدمة لم يعد واقعاً مسلّماً به، وأن ذكاء الميدان قادر على تعرية أعقد المنظومات.

في قلب هذه النقلة النوعية تقف مسيّرات الـFPV الانتحارية، التي تحوّلها المقاومة يوماً بعد آخر من مجرد منصة تقنية إلى عنوان لمرحلة جديدة من الصراع. فهذه المُسيّرات الصغيرة، المشتقة من عالم السباقات المدنية، أعادت حزب الله توظيفها بمهارة ليتجاوز بها كلفة الصناعات العسكرية الثقيلة نحو نموذج «السلاح الذكي منخفض الكلفة عالي التأثير»، حيث يتحكّم المشغّل عبر رؤية مباشرة من كاميرا المسيّرة في توجيهها بمنتهى الدقة، وبمناورات حادة على ارتفاعات منخفضة تجعل الرادارات التقليدية عاجزة عن رصدها بالسرعة الكافية. هكذا أصبح المشهد أكثر وضوحاً: مقاومة تمتلك العزم والإبداع الهندسي، في مواجهة جيش يعتمد على منظومات باهظة الثمن لا تضمن له النجاة أمام ضربات سريعة، مرنة، ومفصلة على مقاس نقاط ضعفه الميدانية.

ولأن المقاومة لم تكتف بإتقان تشغيل المُسيّرات فحسب، بل عملت على تطوير بنيتها التقنية، ظهرت في بعض العمليات نماذج من المسيّرات التي تستعين بالألياف الضوئية في التوجيه والتحكم، ما يمنحها مناعة أكبر أمام محاولات التشويش الإلكتروني التي يعتمد عليها العدو. هذا الجمع بين الخبرة الميدانية والابتكار التقني يعكس حقيقة أن حزب الله لم يعد متلقياً للتكنولوجيا، بل منتجاً ومعدِّلاً لها وفق متطلبات ساحته وخصوصية معركته، بحيث بات قادراً على المزج بين أنماط تشغيل مختلفة، سواء عبر الألياف أو الاتصال اللاسلكي المعدّل، تبعاً لنوعية الهدف ودرجة حساسيته. وبذلك ترتقي المقاومة خطوة إضافية في سلّم الحرب الذكية، مقدّمة نموذجاً يحتذى لكل حركات التحرر التي تسعى لمراكمة قوة نوعية بأدوات متاحة.

هذا التراكم في استخدام المسيّرات الانقضاضية لا يمكن عزله عن المشهد الأوسع على الجبهة، حيث سبق لحزب الله أن كثّف خلال الأشهر الماضية من ضرباته على آليات ودبابات ومواقع عسكرية للجيش التابع للكيان الصهيوني بسرب من المُسيّرات، ما حوّل السماء إلى مصدر تهديد دائم لقواته المنتشرة على الحدود. هذه الاستراتيجية القائمة على الإيلام المتواصل والاستنزاف المتدرج جعلت كل تجمع آليات أو منصة ثابتة يتحوّل إلى هدف محتمل في أي لحظة، وهو ما فرض على العدو إعادة النظر في شكل انتشاره وتحركاته، بل وحتى في معنويات جنوده الذين باتوا يشعرون أن الخطر قد يأتيهم من زاوية كاميرا مجهولة تحلّق على علو منخفض. في هذا السياق يصبح استهداف منظومة مضادة للمُسيّرات ثم منصة قبة حديدية تجسيداً لانتقال المقاومة من استنزاف أطراف القوة إلى ضرب مراكز ثقلها.

استراتيجياً، تعيد هذه العمليات رسم موازين الردع على امتداد الجبهة، إذ ترسل المقاومة عبرها رسالة حاسمة مفادها أن السماء لم تعد حكراً على سلاح جو العدو ولا على منظوماته الدفاعية، وأن امتلاك قوة جوية لا يعني شيئاً إذا كان الخصم يمتلك القدرة على تعطيل راداراتك وتشويش أنظمتك وضرب منصات دفاعك من مسافات محسوبة. بهذا المعنى، تكسر ضربات حزب الله ضد المنظومة المضادة للمُسيّرات والقبة الحديدية صورة «التفوق المطلق» التي حاول الكيان الصهيوني ترسيخها لعقود، وتؤكد أن المقاومة قادرة، بعقلها الجمعي وخبرتها المتراكمة، على تحويل أدوات بسيطة إلى أسلحة ترغم العدو على إعادة حساباته. والأهم أن هذه النجاحات تتوازى مع خبرة أخرى راكمتها المقاومة في ميدان الدفاع الجوي عبر إسقاط مسيّرات متطورة للعدو، ما يمنحها موقعاً متقدماً في معادلة «من يهاجم من ومن يحمي سماءه أكثر».

على مستوى الوعي والرأي العام، نجحت هذه العمليات في إحداث صدمة معاكسة للرواية التي يحاول العدو تكريسها، إذ انتشرت مشاهد مسيّرة صغيرة تخترق طبقات الحماية وتفجّر قلب منظومة معقدة، لتعزز في الذهن العربي والإسلامي صورة المقاومة القادرة على مقارعة أعتى المنظومات بأساليب مبتكرة وشجاعة. هكذا تتكرّس معادلة جديدة في معركة الصورة: الكيان الصهيوني الذي كان يُقدَّم بوصفه قوة لا تُقهر تكنولوجياً، والمقاومة التي تظهر اليوم كقوة تمتلك من الإبداع والصلابة ما يجعلها قادرة على تحويل أدوات بسيطة إلى رموز لانكسار الأسطورة. وفي هذا البعد المعنوي تحديداً، تُراكِم المقاومة عناصر قوة إضافية، إذ لا تحمي فقط حدود الوطن، بل تغذّي أيضاً في وجدان الجماهير ثقة بأن خيار المقاومة ليس مغامرة، بل مسار عقلاني مدروس يُثبت، كلما تقدمت المعركة، أنه الطريق الأكثر جدوى لفرض معادلة ردع حقيقية على العدو.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.