مآلات ميديا – مآلات عسكرية :
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو نجحت في اختبار صاروخها الاستراتيجي العابر للقارات “سارمات”، مؤكداً أن المنظومة ستدخل الخدمة القتالية بنهاية عام 2026، وواصفاً إياها بأنها “أقوى منظومة صاروخية في العالم”. لم يكن الإعلان مجرد خبر عسكري عابر، فقد جاء مصحوباً بأرقام لافتة ورسائل سياسية ثقيلة: مدى يتجاوز 35 ألف كيلومتر، قدرة على السير في مسار باليستي أو شبه مداري، وحمولة نووية يقول الكرملين إنها تفوق بأضعاف ما تمتلكه المنظومات الغربية المقابلة. هذه المعطيات، كما قدمتها موسكو، تجعل “سارمات” أكثر من صاروخ جديد في الترسانة الروسية؛ إنها رسالة ردع موجهة إلى واشنطن وحلف الناتو في لحظة شديدة الحساسية من صراع عالمي مفتوح على حدود أوكرانيا.
من الناحية الهندسية، يتحدث الروس عن صاروخ ثقيل عابر للقارات صُمم ليحل محل منظومة “فويفودا” السوفيتية القديمة، المعروفة غربياً باسم “ساتان”، وهي واحدة من أعمدة الردع النووي الروسي منذ حقبة الحرب الباردة. أهمية “سارمات” لا تأتي من المدى وحده، وإنما من الفكرة التصميمية التي تركز على بقاء القدرة الانتقامية الروسية حتى في حال تعرضت البلاد لضربة أولى. فالصاروخ، وفق الرواية الروسية، يستطيع استخدام مسارات غير تقليدية تقلل من قدرة أنظمة الإنذار والدفاع الصاروخي على توقع اتجاهه، بما يعزز منطق “الردع بالاستحالة”، أي إقناع الخصم بأن أي محاولة لتحييد القوة النووية الروسية ستبقى محفوفة بتكلفة كارثية.
ولكي نفهم دلالة الإعلان، ينبغي النظر إليه داخل سياق أوسع من سباق التحديث النووي. فمنذ سنوات، تعمل روسيا على تحديث “الثالوث النووي” الذي يشمل الصواريخ البرية، والغواصات، والقاذفات الاستراتيجية، بالتوازي مع تطوير منظومات أخرى مثل “أفانغارد” الفرط صوتية، و”بوسيدون” البحرية، و”بوريفيستنيك” ذات الدفع النووي. هذه المنظومات تحمل فكرة مشتركة: تجاوز الدفاعات الأمريكية والغربية، وإعادة فرض التوازن الاستراتيجي بعد سنوات من شعور موسكو بأن تمدد الناتو، وانسحاب واشنطن من بعض اتفاقات الحد من التسلح، وبرامج الدفاع الصاروخي، قلّصت هامش أمنها الاستراتيجي.
غير أن الإعلان الروسي لا يخلو من مساحة تشكيك. فمصادر غربية ووكالات دولية أشارت إلى أن برنامج “سارمات” واجه خلال السنوات الماضية تأخيرات واختبارات غير مستقرة، بينها تقارير عن إخفاقات سابقة في مواقع الإطلاق. لذلك فإن وصف “الأقوى في العالم” يبقى جزءاً من خطاب سياسي وعسكري بقدر ما هو توصيف تقني. في مثل هذه الملفات، لا تكفي الأرقام المعلنة وحدها للحكم النهائي، لأن الدول الكبرى تتعامل مع قدراتها النووية بوصفها أسراراً سيادية وأدوات نفسية في إدارة الصراع. ومع ذلك، فإن مجرد استمرار روسيا في تطوير هذه المنظومة وإعلان قرب إدخالها الخدمة يعني أن موسكو تريد تثبيت صورة مفادها أن العقوبات والحرب الطويلة لم تمنعاها من تحديث أكثر أسلحتها حساسية.
الدلالة السياسية الأهم أن بوتين اختار توقيتاً مشحوناً. فالحرب في أوكرانيا ما زالت ترسم حدود العلاقة بين روسيا والغرب، والحديث عن مفاوضات أو نهايات محتملة للصراع لا يلغي أن موسكو تريد دخول أي تسوية من موقع قوة. الإعلان عن “سارمات” هنا يؤدي وظيفة مزدوجة: طمأنة الداخل الروسي بأن الدولة ما زالت قادرة على إنتاج أدوات تفوق استراتيجي، وتحذير الخارج من أن الضغط العسكري والاقتصادي لن يدفع موسكو إلى التراجع دون ثمن. لهذا يمكن قراءة الخبر كجزء من حرب الرسائل، حيث لا تتحرك الصواريخ فقط في السماء، وإنما تتحرك أيضاً في الوعي السياسي للخصوم والحلفاء والجمهور العالمي.
مآلات هذا الإعلان لا تقف عند حدود روسيا. إدخال “سارمات” إلى الخدمة، إن تحقق وفق الجدول المعلن، سيضيف طبقة جديدة إلى معادلة الردع النووي العالمي، وقد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تسريع برامج التحديث والإنذار والدفاع الصاروخي. وفي المقابل، قد تستخدم موسكو هذه الورقة لتعزيز موقفها التفاوضي في أي نقاش قادم حول الأمن الأوروبي أو الحد من الأسلحة الاستراتيجية. هنا تكمن المفارقة: السلاح الذي يُقدَّم بوصفه ضمانة لمنع الحرب قد يتحول أيضاً إلى وقود لسباق تسلح جديد إذا غابت قنوات التفاهم والرقابة المتبادلة.
بهذا المعنى، لم يكشف بوتين عن صاروخ فحسب، وإنما كشف عن طبيعة المرحلة المقبلة: عالم أقل اطمئناناً إلى المعاهدات، وأكثر اعتماداً على الردع الصلب، وأشد ميلاً إلى تحويل التكنولوجيا العسكرية إلى لغة سياسية. “سارمات” في صورته الروسية ليس مجرد معدن ووقود ورؤوس حربية، إنه إعلان بأن موسكو تريد أن تُسمَع من جديد بلغة القوة القصوى، وأن تقول للغرب إن زمن الضغط من طرف واحد انتهى، وأن أي هندسة جديدة للأمن العالمي لن تمر فوق الترسانة الروسية أو خارج حساباتها.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















