م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا:
ثمة لحظة بالغة الدقة، لا تُرى بالعين المجردة ولا تُسمع بأذن السلطة الرسمية، تلك اللحظة التي يُعاد فيها تعريف الكفاءة، فلا تعود تعني عمق الخبرة وسعة الفهم وتراكم الأدلة، بل تصبح مرادفًا لجرأة الادعاء وبلاغة الاستعراض وثقة تفتقر إلى سندها المعرفي. عند هذه النقطة الفارقة تحديدًا، لا يندس الفاشلون في مفاصل القرار المؤسسي طارئين ولا دخلاء، بل يُفرزهم النظام نفسه بوصفهم نتيجة منطقية ومتوقعة لاختلال عميق في آليات الاختيار والتقييم وتوزيع الشرعية الرمزية داخل الهيئات و المؤسسات.

وهذه الإشكالية التي درسها علماء الإدارة وعلم النفس المعرفي ليست حديثة العهد، إذ يرصدها علم النفس الاجتماعي في ظاهرة باتت من أكثر الظواهر توثيقًا في أدبيات علم القيادة، وهي ما يُعرف بـ”تأثير دانينج – كروغر”، وهي حالة إدراكية يُقدّر فيها محدود المعرفة قدراته بما يفوق كثيرًا ما يمتلك، لا لأنه يكذب، بل لأنه يجهل ما يجهله، وهو الثمن الأثقل الذي تدفعه المؤسسات حين يرقى أصحاب هذا النمط إلى مقاعد القرار. وعلى هذا فإن الإشكال لا يكمن في ضيق المعرفة وحده، بل في غياب الوعي بهذا الضيق، ذلك الغياب الذي يُولّد ما يمكن تسميته بـ”اليقين التعويضي”؛ شعور صلب بالقدرة يتولد من نقص الفهم لا من عمقه.

ولفهم الأثر البنيوي لهذه الظاهرة، يكفي أن نتأمل كيف لا يُنتج صاحب هذا النمط الإدراكي قرارات خاطئة فحسب، بل يُعيد تشكيل البيئة المعرفية كلها لتغدو أكثر قابلية لإعادة إنتاج الخطأ حتى يتحول الخطأ من حادثة إلى سلوك مؤسسي مستقر. فهو يميل بطبيعته إلى تبسيط المشكلات المركبة، وإغفال المتغيرات الكامنة، والنظر إلى الحسم السريع بوصفه فضيلة قائمة بذاتها، حتى حين يكون مؤسسًا على قراءة سطحية للواقع. وهكذا لا يكون الإخفاق وليد نقص المعلومات بقدر ما يكون ثمرة سوء تمثيلها ذهنيًا وهيمنة أنماط إدراكية مغلقة تعجز عن استيعاب تعدد الأسباب أو استشراف النتائج البعيدة.

وتتضاعف خطورة هذا النموذج حين يقترن بثقافة تنظيمية تكافئ الحسم الخطابي أكثر مما تكافئ الفحص النقدي. ففي كثير من البيئات المؤسسية لا يُرقّى الأشد معرفةً بل الأبرع في صناعة انطباع اليقين، والأقدر على تسويق الثقة الذاتية دليلًا على الكفاءة. وهذا الانزياح من “المعرفة” إلى “أداء المعرفة” يُخصّب التربة لصعود شخصيات تستثمر في البلاغة أكثر مما تستثمر في التحليل. وقد وثّق الباحثون في مدرسة هارفارد للأعمال هذه المفارقة حين أثبتوا أن نتائج المجموعات تتراجع بشكل حاد حين يكون الواثقون بأنفسهم خاطئين في تقديراتهم، وأن الثقة المعيبة الاختيار أشد ضررًا من مجموع القرارات الفردية.

وشهد العالم حالات موثقة باتت كلاسيكيات في كتب الإدارة عن فداحة هذا النمط في الممارسة الفعلية. ففي قضية “ثيرانوس” التي هزّت وادي السيليكون، جسّدت إليزابيث هولمز النموذج بأقصى تجلياته: مؤسسة أسرها يقينها المطلق بتقنية لم تعمل قط، أسكتت المعترضين، وصادرت دوائر التصحيح الداخلية، وواصلت حتى اللحظة الأخيرة قيادة المنظمة في الاتجاه الخطأ بثبات لا يتزعزع. وعلى المنوال ذاته كان آدم نيومان في “ويورك” يسوق رؤيته العملاقة لعالم العمل بثقة كاسحة، فيما كانت أسس الشركة تتآكل من الداخل، في مشهد يكشف كيف تتحول الثقة غير المسندة إلى الخبرة الموضوعية من أداة إلهام إلى آلية تضليل جماعي.

بيد أن الجانب الأشد خطورة لا يكمن في لحظة الصعود إلى المنصب، بل في الأثر التراكمي الذي يخلفه هذا الصعود. فحين يتموضع “الجاهل الواثق” في مركز السلطة، يبدأ في إعادة هندسة معايير النجاح من حوله؛ يُفضّل من يشبهه، ويُقصي الكفاءات القادرة على كشف قصوره، ويعيد بناء شبكات الولاء بحيث تتقدم الطاعة على الخبرة. وهنا تتفاعل الظاهرة مع ما يعرفه علماء الإدارة بـ”مبدأ بيتر” الذي صاغه لورانس بيتر منذ الستينيات والقائل بأن كل موظف في التسلسل الهرمي يرقى حتى يبلغ مستوى عجزه ويستقر فيه، ما يعني أن كل منصب يغدو في نهاية المطاف مشغولًا بمن هو أقل كفاءة من متطلباته. والمصيبة الحقيقية أن الأنظمة لا تقع في هذا الفخ عن جهل، بل كثيرًا ما تُصمّم على نحو يُنتج هذه النتيجة ثم تبني حولها منظومة لإخفاء العطل.

ومن ثم فإن الفشل يتمدد من مستوى الفرد إلى مستوى البنية، وتتحول الأخطاء الشخصية إلى ثقافة مؤسسية كاملة. وتستمر القيادة في الدفاع عن خيارات ثبت إخفاقها، لا بدافع القناعة، بل خوفًا من الاعتراف بالخطأ أو فقدان المكانة. وعند هذه النقطة تتراجع المراجعة النقدية، وتُقرأ التحفظات المهنية بوصفها عرقلة، وتُعاد صياغة الإشارات التحذيرية بوصفها غيابًا للحماسة أو الولاء. وهذه الدينامية تنتج ما يشبه الانحدار الصامت: تتآكل قدرة المؤسسة على التعلم الذاتي، وتفقد حساسية الاستجابة المبكرة للمخاطر. وقد وصف الباحثون المتخصصون في دراسة أعطاب الأنظمة المؤسسية هذه المرحلة بـ”انهيار التصحيح الذاتي”، وهي حالة لا تتوقف فيها المنظمة عن العمل، لكنها تتوقف عن “التوجيه”، وتُواصل إنتاج مخرجاتها في أجواء من الطمأنينة الزائفة بينما تتنامى الفجوة بين قراراتها وبين الواقع.

ولفهم المخرج من هذه الحلقة المفرغة، لا بد من التمييز الدقيق بين نوعين من الثقة: الأولى تنبع من تراكم الخبرة والوعي الحقيقي بحدود الذات، وهي الثقة التي تبقي باب المراجعة مفتوحًا وتعدّ الشك أداة تفكير لا عائقًا أمام الفعل. والثانية تنبع من جهل لا يعي نفسه، فتغلق دوائر التصحيح وتجعل الخطأ نظامًا حاكمًا لا مجرد حادثة عابرة. والفرد الفاعل مهنيًا لا يحتاج إلى يقين متصلب، بل إلى اتزان نفسي يسمح له باتخاذ القرار مع بقاء أسئلة المراجعة مشتعلة. وتؤكد الأبحاث العصبية أن إعادة برمجة الإطار الإدراكي للفرد ممكنة عبر تقنيات الوعي الموجّه كالتخيل الإبداعي والتوكيدات الإيجابية التي تُعيد تشكيل المسالك العصبية المرتبطة بالاتزان ومقاومة القرارات المرتبكة تحت الضغط.

وعلى مستوى التنظيم المؤسسي الأشمل، يبرز دور “عقلية الوفرة” التي صاغها ستيفن كوفي بوصفها الضد الجوهري لعقلية الندرة التي يتسم بها القائد الفاشل. فهذا الأخير يرى النجاح موردًا محدودًا والسلطة مساحة احتكار والكفاءات تهديدًا مباشرًا، فيُقصي المتميزين ويُضيّق أفق الفرص ويحوّل التنافس إلى صراع صفري. وحين تسود عقلية الوفرة في قمة الهرم، تتشكل بيئة يُعدّ فيها نجاح الآخرين امتدادًا لنجاح المؤسسة كلها، ويتحول الإبداع الجماعي من مصدر تهديد للفرد إلى قوة دافعة للمنظومة. وقد أثبتت دراسة شركة مايكروسوفت بعد تحوّلها في عهد ساتيا ناديلا من ثقافة “حماية الموجود” إلى ثقافة “توسيع القيمة” أن هذا التحول الإدراكي في القمة أضاف ما يزيد على تريليوني دولار في القيمة السوقية.

وخلاصة هذه المعادلة المعقدة أن تسلل الفاشلين إلى مراكز القرار ليس مصادفة ولا شذوذًا إداريًا ، بل هو مؤشر على اختلال بنيوي عميق في ثقافة المنظمة وآليات اختيارها وأنماط تقييمها للكفاءة. وأخطر ما يصنعه “الجاهل الواثق” ليس سوء القرار وحده، بل إغلاق دوائر التصحيح الذاتي تلك التي وحدها تجعل المؤسسة قادرة على النهوض من عثراتها والتكيف مع تحولات العالم من حولها. فحين تُفصل الثقة عن المعرفة يصبح الجهل أشجع من الخبرة، وتغدو المؤسسة رهينة انحدار يقوده يقين زائف من الداخل لا عاصفة قادمة من الخارج. ومن هنا فإن الحماية الحقيقية للمؤسسات لا تبدأ من مراقبة النتائج وحدها، بل من غربلة أنماط الوعي التي يُسمح لها باعتلاء منصة القرار، لأن السفينة لا تهلك دائمًا بفعل الأمواج، بل قد تهلك لأن من يمسك بدفّتها لا يعرف الفرق بين الخريطة والوهم، ومع ذلك يمضي بيقين لا يتزعزع.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.