الاستاذ / عبد الرحمن الخضر – مآلات ميديا

ماذا أبدأ

هاااااه أنت؟ ماذا هناك؟ الأفق!!!

……….

أمسك كتابا, أبدأ قراءتي لأشعر بأني قد قرأته سابقا.

وهكذا كلما تناولت كتابا لأقرأ فيه, وكأني قرأت كل الكتب المطبوعة وتلك تحت الطبع, وتلك التي سيكتبونها لاحقا.

إنها كارثة أدبية هذه حلت بي.

تناولت قبل قليل” بعد السقوط”. شحنت نفسي بإصرار مستحيل أن أستمر في القراءة.

آرثر ميللر يضع البطل في زمن ومكان غير اعتياديين, لا يمكن تسجيلهما كما أكتب الآن وكما سأتوقف لاحقا.

كل الأشياء والأحداث والشخوص تتحرك في ذهن كونتن, الخشبة مرتبة في ذهنه وفكره وذاكرته, ليس من خشبة معتادة, هي موحيات, ولا تقر على قرار.

كونتن يتحدث مع أحدهم, شخص غير مرئي في الطرف من الخشبة, وتتداعى الأحداث على جانبيه.

لا أطيق البقاء في بيئة ذاتها, وهكذا هي قراءاتي. ففي الآن أقرأ” حكمة الغرب” لبرتراند رسل, وهاهي أحجار فيثاغورث تسترعيني, لقد صرت كلي انتباها: بعد الواحد كل الأعداد مثلثات, كل الآحاد مربعات, كل الأزواج مستطيلات.

من أرسى هذا التنظيم؟ من وزعه على هذا النحو؟ كيف بتلك الأشكال كملكية خاصة لعدد ما, وكأن الأعداد شخوص وكيانات ومابينها من علاقات هي القوانين.

( تأكد لي مرة بعد مرة وطيلة سنوات بأنني نظرت إلى الحياة وكأنها قضية قانونية, سلسلة من البراهين. ففي شبابك تبرهن كم أنت شجاع أو ذكي, ثم أي عاشق عظيم أنت, فأي أب عظيم.. وفي النهاية.. كم أنت حكيم أو قوي.. وما إلى ذلك حسب الظروف- ثم يسترسل كونتن- أعتقد أنه تحت كل هذا كان يمكن افتراض بأنني كنت أتجه في طريق صاعد نحو شيء من الرفعة, حيث” والله يعلم ماذا” أحصل على براءتي أو أدان, أي حيث يصدر حكم من الأحكام)

شدتني هذه الملحمة المستقطعة لكونتن, فنحن جميعا نكاد أن نكون كونتن في بعض منها, والحياة محكمة, لكن أن أحدا كان يتجه في طريق صاعد نحو شيء من الرفعة لهو أحد خاص, خاص جدا.

الرفعة مفردة مطاطة, حتى لأنها غيبا عند بعضنا غير حاضر, “رفعة لا رفعة”. ولعلي سأستعرض الرفعة في أفراد مطلقين لا نسبة فيهم إلى أحد, ولا شك بأنها مبالغة, وهل الرفعة غير مبالغة؟ وهل الحياة غير مسار نحو الذري؟

ماذا يقول كونتن إثر توقعه للحكم: ( وأعتقد الآن بأن كارثتي بدأت حقا حينما نظرت ذات يوم فإذا المنصة خالية ولا قاض هناك. وماتبقى بعد ذلك كان مجادلة لا تنتهي بين المرء ونفسه. دعوة بلا معني للمثول أمام منصة خالية )

الأمر ليس أمري بالذات, إني أقرأ, ولكي أنطلق في قراءاتي فليس من بد ألا أبقى عند أحد من هؤلاء الذين يكتبون. في كل كتاب صورة منى أو واقعة, قد تكون قريبة جدا, قريبة ما, بعيدة جدا, بعيدة ما, لا بد من صلة. لكني أنا.. مطلق ذاتي.

وليست المحكمة هي ذاتها, وليس القانون هو ذاته, وليس المحلفون هم المحلفين, وهناك أمر حولي واقع كالقدر بلا موقع لينتهي إليه, كقبلة من شفتيّ تدور في الفضاء تحت حاكمية قوانين نيوتن وسط المجموعة الشمسية ولن تصصدم بشفتين في الفضاء مطلقا. إنه الشوق الأبدي.

وها أنذا أعود مع برترنارد رسل لأتابع أخيل منذ ماقبل الميلاد وإلى ما قبل خمسة أشهر حين العالم يحتفل بالسنة الرابعة والعشرين من الألفية الثانية بعد الميلاد لازال يركض ولم يتمكن من اللحاق بالسلحفاة.. هكذا ورط زينون الفلاسفة في مفارقته الشهيرة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.