مآلات ميديا – متابعات:
في مشهد يلخص طموح بكين لقيادة ثورة الطاقة النظيفة في القطاع الصناعي، شرعت الصين في تنفيذ أول مشروع نووي هجيني في العالم صُمِّم خصيصاً لإمداد مجمّعات البتروكيماويات في مقاطعة جيانغسو بالكهرباء والبخار الصناعي فائق السخونة في آن واحد، في خطوة تتجاوز النموذج التقليدي للمحطات النووية التي تكتفي بتوليد الكهرباء لربط قلب الصناعة مباشرةً بمصدر طاقة منخفض الكربون ومستقر على مدار الساعة. يقوم المشروع على دمج جيلين من التكنولوجيا النووية في موقع واحد بمدينة ليانيونغانغ الساحلية، حيث يُستخدم مفاعل ماء مضغوط من الجيل الثالث لتوليد الكهرباء وبخار مبدئي عند نحو 300 درجة مئوية، قبل أن يتولى مفاعل غاز عالي الحرارة من الجيل الرابع مهمة رفع درجة حرارة هذا البخار إلى نحو 550 درجة، إيذاناً بولادة ما يشبه «غلاية عملاقة نووية» مكرَّسة لخدمة الصناعة الثقيلة.
هذا التصميم الهجين لم يأتِ من فراغ، بل يمثل تتويجاً لتجربة صينية ممتدة في ربط الطاقة النووية بالاستخدامات الحرارية غير الكهربائية، بدأت مع مشاريع لإنتاج البخار الصناعي والتدفئة في محطات مثل تيانوان، حيث دخل مشروع «هيكي 1» حيز التشغيل لتزويد مصانع قريبة بالبخار المنتج من الطاقة النووية، في محاولة منهجية لاختراق واحدة من أكثر الزوايا تعقيداً في معادلة إزالة الكربون: حرارة العمليات الصناعية عالية الدرجة. ومع مشروع «شووي» النووي الهجين، تتوسع الفكرة من مشروع تجريبي محدود النطاق إلى منظومة واسعة الطيف تستهدف مجمّعاً بتروكيماوياً كاملاً، بما في ذلك وحدات تكرير النفط وإنتاج الهيدروجين والأمونيا والمواد البتروكيماوية الوسيطة، حيث يُنقل البخار عبر شبكة من الأنابيب المعزولة مباشرة من قلب المفاعلات إلى قلب خطوط الإنتاج.
الركيزة التقنية للمشروع تكشف عن طبيعة التحول الجاري؛ فبدلاً من حرق الفحم أو الغاز داخل غلايات ضخمة قرب كل مصنع، يُنتج البخار في منطقة نووية مركزية عالية الكفاءة والانضباط التنظيمي، ثم يُوزَّع كخدمة طاقة حرارية تشبه في مفهومها «شبكات التدفئة المركزية» ولكن بدرجات حرارة وضغوط تتلاءم مع متطلبات التكسير الحراري والتقطير والتفاعلات الكيميائية المعقدة في صناعة البتروكيماويات. هذا الربط المباشر بين المفاعلات النووية وسلاسل القيمة الصناعية يمنح الصين نموذجاً لتكامل طاقة لم يعد فيه المفاعل مجرد وحدة لتغذية شبكة الكهرباء، بل أصبح عنصراً بنيوياً في بنية المصنع ذاته، كأنه انتقل من خلف الجدار إلى داخل ورشة العمل الكبرى للاقتصاد الصناعي.
أرقام المشروع ترسم أبعاد التحول بوضوح أكبر؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن محطة «شووي للتدفئة والطاقة النووية» ستوفر، عند بلوغها طاقتها التصميمية، ما يقرب من 32.5 مليون طن من البخار الصناعي سنوياً، إلى جانب أكثر من 11.5 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء، وهو ما يُترجم إلى تقليل استهلاك الفحم القياسي بنحو 7.26 ملايين طن سنوياً وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يقرب من 19.6 مليون طن كل عام. بهذا الحجم، لا يعود المشروع مجرد تجربة تقنية طموحة، بل يتحول إلى أداة سياسية واقتصادية تخدم هدف بكين المعلن بتحقيق الحياد الكربوني تدريجياً، خاصة في القطاعات التي يُنظر إليها عادة على أنها «صعبة التخفيض» من حيث الانبعاثات بسبب حاجتها إلى حرارة تتجاوز كثيراً ما تستطيع معظم تقنيات الطاقة المتجددة التقليدية توفيره بكفاءة واستقرار.
اختيار صناعة البتروكيماويات كمنصة إطلاق لهذا النموذج ليس اختياراً عفوياً؛ فهذه الصناعة تُعد من أكبر مستهلكي البخار الصناعي عالي الحرارة في العالم، ضمن عمليات متتالية تبدأ من تكرير النفط الخام ولا تنتهي عند إنتاج الأسمدة والهيدروجين والأمونيا ومشتقات البلاستيك. في السيناريو التقليدي، تعتمد هذه العمليات على أفران وغلايات تعمل بالفحم أو الغاز أو مشتقات النفط، ما يضعها في قلب النقاش العالمي حول الانبعاثات الصناعية، لكن ربطها بمصدر بخار نووي مستقر يقلص الاعتماد على الوقود الأحفوري في حلقات الإنتاج نفسها، ويحوّل جزءاً كبيراً من «بصمتها الكربونية» إلى ما يشبه «ظل نووي نظيف» بالنسبة لميزان الانبعاثات.
من زاوية هندسية، يتيح الجمع بين مفاعل الماء المضغوط والمفاعل عالي الحرارة المبرد بالغاز ما يمكن وصفه بـ«تقسيم العمل الحراري» داخل المحطة؛ إذ يتولى الأول إنتاج الكهرباء والبخار المتوسط الحرارة بكفاءة معروفة وموثوقة، في حين يعمل الثاني كجهاز رفع لدرجة الحرارة، شبيه بمفهوم التسخين على مرحلتين، لتحويل البخار المتوسط إلى بخار فائق التسخين عند 500–550 درجة مئوية، بما يلبي بدقة متطلبات الصناعات الكيميائية ومصافي التكرير. هذا التصميم ذو المرحلتين يفتح الباب أمام ضبط مرن لمزيج الإنتاج بين الكهرباء والبخار؛ فحين ترتفع حاجة المجمع الصناعي للحرارة يمكن تحويل جزء أكبر من القدرة الحرارية نحو البخار، وحين يرتفع الطلب على الكهرباء، يمكن توجيه الحمل لصالح التوربينات، في نموذج ديناميكي لتوزيع الطاقة يستجيب للمواسم الاقتصادية أكثر منه لمجرد منحنيات استهلاك الشبكة.
يحمل المشروع دلالات عميقة على مسار تموضع الصين في خارطة الطاقة العالمية؛ فبينما يتركز النقاش في دول عديدة على محطات نووية تقليدية أو مزارع رياح وشمس موجهة للشبكة العامة، تذهب بكين خطوة أبعد نحو إعادة هندسة العلاقة بين الطاقة والصناعة عبر مشاريع تخصصية تربط مفاعلات الجيلين الثالث والرابع مباشرة بسلاسل التوريد الصناعية. هذا التوجه يمنحها ليس فقط ميزة خفض الانبعاثات، بل أيضاً أفضلية تنافسية في كلفة إنتاج وحدات البتروكيماويات والمنتجات المرتبطة بالهيدروجين والأمونيا الخضراء، ما قد ينعكس على تموضعها التصديري في أسواق تُشدِّد معايير البصمة الكربونية للسلع المستوردة.
كما أن نجاح نموذج «شووي» قد يشكل نقطة انطلاق لسلسلة من المشاريع المماثلة داخل الصين وخارجها، خاصة في الدول التي تبحث عن حلول متقدمة لإزالة الكربون من صناعات الأسمنت والصلب والبتروكيماويات دون التضحية بأمنها الطاقي أو استقرار إمداداتها. في هذا السياق، تتحول المفاعلات عالية الحرارة إلى «سلعة استراتيجية» جديدة، وقد تجد الصين نفسها في موقع المورّد الرئيسي ليس فقط للتقنية النووية التقليدية، بل أيضاً لحلول متكاملة تجمع بين المفاعلات وخطوط البخار الصناعية والبنى التحتية المصاحبة، في حزمة واحدة يصعب على المنافسين اللحاق بها سريعاً.
غير أن هذا التحول لا يخلو من تحديات؛ فدمج المفاعلات النووية مباشرة مع مجمّعات بتروكيماوية يثير أسئلة إضافية حول معايير السلامة، وتخطيط مناطق الأمان، وإدارة المخاطر في حال وقوع حوادث صناعية في أحد الطرفين قد تؤثر في الآخر، إلى جانب تحديات تقبل المجتمعات المحلية لمفهوم وجود «مفاعلات على بوابة المصنع» بدلاً من مواقع معزولة بعيدة عن العمران والمناطق الصناعية. كما أن التعقيد التقني والمالي لمثل هذه المشاريع يفرض حاجة إلى أطر تنظيمية جديدة، تدمج بين تشريعات السلامة النووية ولوائح البيئة الصناعية ومعايير سوق الطاقة، في معادلة تنظيمية لا تزال في طور التشكّل حتى في الدول المتقدمة.
برغم تلك التحديات، يبدو أن الصين تراهن على أن عوائد الريادة في هذا المسار تفوق كلفته ومخاطره، مستندة إلى سجلّ متراكم من التوسع النووي السريع، من المفاعلات التقليدية إلى المفاعلات المعيارية الصغيرة وصولاً إلى المفاعلات عالية الحرارة، مع ربط هذه المشاريع بأهداف سياسية معلنة مثل خفض الانبعاثات وتحسين أمن الطاقة وتعزيز الاكتفاء الذاتي من التقنيات الحساسة. وهكذا، يغدو مشروع المفاعل النووي الهجين لإنتاج البخار والكهرباء أكثر من مجرد خبر تقني؛ إنه سطر جديد في سردية صينية تحاول من خلالها بكين إعادة كتابة قواعد اللعبة في علاقة الصناعة بالطاقة، من أفران الفحم المشتعلة إلى بخار الذرّة الصاعد من قلب المفاعلات نحو أنابيب المصانع.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















