مآلات ميديا – مآلات محلية:
في محافظة تقع على أطراف الخارطة الجغرافية اليمنية، حيث خيم العدوان و تداعياته بظلاله الكثيفة على كل بادرة أمل، يُفاجئ العقل الباحث عن الاستثناء أن ثمة مؤسسة أكاديمية تقاوم الانهيار بصمود لافت، وتشقّ طريقها نحو التميز بخطوات محسوبة ومتعاقبة، كأنها تُعلن أن العلم لا يستأذن الحرب، وأن النهضة لا تنتظر انتهاء الأزمة لتبدأ.
جامعة حجة ،مؤسسة حكومية أُنشئت بالقرار الجمهوري عام 2008م، والتي باتت في الأشهر الأخيرة تشهد حراكاً علمياً ونهضوياً متصاعداً لا يمكن لأي متأمل في المشهد التعليمي اليمني أن يتجاهله أو يختزله في مجرد أرقام وبيانات جافة. فخلف كل قرار أكاديمي، وكل ورشة عمل، وكل برنامج دراسي جديد، تقبع رؤية استراتيجية أعمق مما تبدو عليه في ظاهرها، رؤية تُدرك أن اليمن لن يُبنى إلا بمؤسسات علمية صلبة قادرة على إنتاج العقول قبل أن تُنتج الشهادات.
وفي قلب هذا المشهد المُركّب، يبرز فريق عمل اداري و اكاديمي يمثل المحرك الفعلي لهذا الزخم المتصاعد؛ إذ لم يتوقف الفريق عند حدود الإدارة اليومية للشأن الجامعي، بل انخرط بعمق في رسم خارطة طريق واضحة المعالم تستهدف في آفاقها تعزيز مكانة جامعة حجة في التصنيفات المحلية والعربية والدولية، مستعيناً بمركز التطوير وضمان الجودة ذراعاً تنفيذية محورية في هذا المسار. وفي هذا الإطار، نظّم المركز ورشة عمل بعنوان “التصنيفات الدولية لمؤسسات التعليم العالي وسيلة مؤثرة”، جمعت نخبة من الأكاديميين والإداريين لمناقشة معايير التصنيف العالمي والإستفادة من تجارب مؤسسات ارتقت في سلالم التميز الأكاديمي الدولي.
غير أن الحراك لم يقتصر على الجانب التنظيمي والمؤسسي؛ فقد أثبتت جامعة حجة أنها تُجيد قراءة المشهد التكنولوجي الراهن وتستجيب له بمرونة لافتة. ففي خطوة تُعبّر عن وعي أكاديمي راسخ بمخاطر العصر الرقمي، أقدمت كلية العلوم التطبيقية بالتعاون مع مركز تقنية المعلومات في وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي على تنظيم ورشة علمية حملت عنوان “الوعي قبل التقنية – التعليم والتدريب كحصن سيبراني في المؤسسات التعليمية”، وهو العنوان الذي يحمل في طياته رسالة عميقة مفادها أن صون المعرفة من الاختراق الإلكتروني لا يقل أهمية عن إنتاجها.
وتجلّى معالم الحراك العلمي بأكثر صوره وضوحاً وإشراقاً حين أعلنت الجامعة في أبريل 2026م عن تدشين ورشة اعتماد برنامجي الدكتوراه في تخصصي “الإدارة والتخطيط التربوي” و”المناهج وطرق التدريس” في كلية التربية والعلوم الإنسانية، ضمن فعاليات نظّمتها نيابة الدراسات العليا والبحث العلمي بالتعاون مع مركز الجودة والاعتماد الأكاديمي. لم تكن هذه الخطوة مجرد إضافة برامجية إلى قائمة التخصصات، بل كانت تجسيداً حياً لمبدأ راسخ تؤمن به الجامعة مؤكدة أن افتتاح برنامجي الدكتوراه “يعدّ انطلاقة نوعية للإسهام في تلبية احتياجات المجتمع في المجال التعليمي والأكاديمي”. وتعقد الجامعة بذلك ليس فقط باباً للدراسة العليا، بل تبني صرحاً لإنتاج باحثين قادرين على تطوير المناهج وابتكار طرق التدريس، في وقت يشكو فيه الميدان التربوي اليمني من شُح الكوادر العليا المؤهلة.
وبالتوازي مع ذلك، فتحت الجامعة في مايو 2026م باب التنسيق والقبول لبرامج الدراسات العليا للعام الدراسي 2026-2027م، شاملاً درجتي الماجستير والدكتوراه في أقسام متعددة، مؤكدةً بذلك إصرارها على مواصلة التوسع الأكاديمي النوعي. وهو توسع يأتي في ظروف استثنائية تمرّ بها المحافظة، تُعمّقها متطلبات التعمير والإعمار وإعادة بناء الإنسان قبل الحجر، في إشارة لا تخطئها عين المتأمل إلى أن الجامعة تمضي في مسارها التطويري بوعي استراتيجي يتجاوز الظرف الراهن ليُرسّخ أسس مرحلة ما بعد الأزمة.
وفي مشهد يُحكي قصة انفتاح مؤسسي نادر في سياقات الأزمات، لم تتردد الجامعة في التواصل مع محيطها الخارجي وبناء جسور التعاون مع الجهات الحكومية ذات الصلة. حيث اجريت لقاءات تعاونية مع مدير عام مكتب الخدمة المدنية والتطوير الإداري بالمحافظة، ومع مدير عام مكتب التربية والتعليم، بهدف ربط مخرجات التعليم الجامعي باحتياجات الوظيفة العامة، وصياغة خارطة طريق مشتركة للارتقاء بالمنظومة التعليمية في المحافظة. هذا الانفتاح الذي تمارسه الجامعة على محيطها يُدرك أن المؤسسة الأكاديمية الحقيقية لا تعيش خلف أسوارها المعزولة، بل تتحمّل مسؤوليتها في قيادة التحول المجتمعي وإنتاج الحلول العلمية للمشكلات الواقعية.
يكشف هذا الحراك المتسارع الذي تشهده جامعة حجة عن ثلاثة دلالات محورية تستوقف المتأمل: أولها أن التعليم في اليمن لا يزال يُقاوم متشبثاً بآخر حصون الأمل، وأن ثمة رهاناً حقيقياً يُراهَن عليه في إعادة بناء الدولة عبر بناء العقول. وثانيها أن جامعة حجة بدأت تتحول من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى مركز ثقل أكاديمي متكامل يمتلك رؤية واضحة ومنهجية عمل مؤسسية محترفة، تُعبّر عنها ورش الاعتماد وبرامج الدكتوراه وجلسات الحوار مع مكونات الدولة المختلفة. وثالثها أن هذا النموذج، إن استمر وتراكم، قد يُشكّل مرجعية ملهِمة لجامعات اليمن الأخرى العاملة في ظروف مشابهة، بل قد يُغري جهات التمويل والشراكة الدولية بالانخراط في دعم هذا المسار البنائي.
والمحصلة التي ترسمها هذه المشاهد المتراكمة هي أن جامعة حجة لا تنتظر انقشاع الغيوم لتبدأ؛ بل إنها أدركت أن النهضة العلمية الحقيقية تُصنع في أصعب الظروف وأقساها، وأن الشمعة التي تُضاء في الظلام تستحق أن يُعرف مكانها وأن تُحكى قصتها، لا لأنها استثناء فحسب، بل لأنها نموذج ينبغي أن يُحتذى به على المستوى الوطني والإقليمي، في عالم بات يُقاس فيه تقدم الأمم بعدد علمائها وقيمة أبحاثها وعمق مؤسساتها التعليمية.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















