مآلات ميديا – الاراضي المحتلة :
في اعتراف نادر يحمل أكثر من دلالة، خرج رئيس قسم التحقيقات الجنائية في الكيان الصهيوني، لي عييش، عبر برنامجه في “مجلة شبات” على قناة “i24NEWS”، ليعلن الاشتباه في ضلوع جنديين من الوحدات القتالية في جيش الكيان الصهيوني بسرقة أسلحة من قواعد عسكرية في أربع حوادث منفصلة، في وقت تتكاثر فيه التقارير عن سرقات منظمة تفترس مخازن السلاح والذخيرة في قواعد هذا الكيان منذ سنوات. هذا الإعلان، الذي جاء من قلب المنظومة الجنائية للكيان الصهيوني، لا يمكن قراءته كواقعة جنائية معزولة، بقدر ما يعكس ظاهرة متجذّرة باتت تؤرق القيادتين العسكرية والأمنية في تل أبيب، وتطرح أسئلة صعبة حول أمن السلاح، وانضباط الجنود، واتساع الفجوة بين خطاب “الجيش الذي لا يُقهر” وواقعه الميداني.

فالحديث عن أربعة حوادث منفصلة متهم فيها عناصر من داخل الوحدات القتالية يعيد إلى الواجهة سلسلة طويلة من السرقات التي طالت قاذفات صواريخ مضادة للدروع وبنادق من طراز “إم16” وعشرات الآلاف من الطلقات من قواعد مثل “تسيئيليم” في النقب و”تسانوبر” في الجولان، إلى حد وصف بعض التقارير هذه الظاهرة بأنها من “أكبر الإخفاقات” في تاريخ جيش الكيان الصهيوني. ومع كل حادثة جديدة، تتكرر الصورة ذاتها تقريباً: ثغرات في الأسوار، ثقة مفرطة بإجراءات الحراسة، وتداخل مقلق بين جنود وعناصر إجرامية، أو بين جنود يسرقون للاتجار بالسلاح وآخرين يحتفظون بما ينهبونه على سبيل “التذكار” من جبهات العدوان.

وما يضفي خطورة إضافية على ما كشفه لي عييش هو أن المتهمين هذه المرة ليسوا مجرمين متسللين من خارج القواعد، بل جنديان نظاميان في وحدات قتال، يفترض أن يكونا جزءاً من خط الدفاع الأول عن تلك المخازن، لا جزءاً من شبكة التهديد التي تستهدفها. هذا الانقلاب في الأدوار يضرب في العمق ثقة القيادة العسكرية بقدرتها على ضبط سلوك جنودها، خاصة أن الاتهامات لا تقتصر على السرقة فحسب، بل تمتد في قضايا أخرى إلى الاتجار بالمتفجرات وبيع الذخيرة لعصابات الجريمة داخل الأراضي المحتلة، وفق ما أكدته تقارير من داخل الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة.

ومع تراكم هذه الوقائع، باتت مؤسسات الكيان الصهيوني نفسها تقر بأن الظاهرة ليست طارئة ولا هامشية؛ فقد دفعت سلسلة السرقات المتكررة القيادات العسكرية إلى الحديث عن وضع “خطط خاصة” لتشديد الحراسة على نحو خمسين قاعدة عسكرية، خصوصاً تلك القريبة من التجمعات العربية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، في محاولة لتحويل مسار الاتهام نحو “العصابات” المحيطة بالقواعد، رغم أن التحقيقات تكشف في كل مرة عن تورط ضباط وجنود في تسهيل الاقتحامات أو المشاركة فيها. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي الموجّه للرأي العام وبين المعطيات التي يفصح عنها مسؤولون عسكريون سابقون، يؤشر إلى أزمة ثقة متصاعدة داخل المنظومة، وإلى خوف من الاعتراف بحجم الخلل البنيوي في إدارة مخازن السلاح.

إن إخضاع هذه المعطيات لقراءة استراتيجية يكشف أن المسألة تتجاوز كونها ملفاً جنائياً إلى كونها مرآة لعدة تصدعات متراكبة في بنية جيش الكيان الصهيوني؛ أولها التآكل في منظومة الانضباط والقيم داخل صفوف الجنود، في ظل اتساع مظاهر الفردية والبحث عن المكاسب السريعة في مجتمع يتزايد فيه الحضور الاقتصادي لعصابات الجريمة المنظمة. وثانيها هشاشة نظام الحماية المادي والإجرائي لمخازن السلاح، حيث تظهر كل سرقة كأنها “الاستثناء”، بينما تجمع شهادات مسؤولين عسكريين سابقين على أن ما يُكشف عنه لا يمثل سوى جزء من واقع أوسع، وأن “الأسبوع يكاد لا يمر دون سرقة أسلحة أو ذخيرة” من قواعد جيش الكيان الصهيوني.

أما البعد الثالث فيتصل بتداعيات هذه السرقات على الأمن الداخلي للكيان الصهيوني نفسه؛ فالسلاح المسروق لا يختفي في فراغ، بل يجد طريقه في كثير من الأحيان إلى عصابات إجرامية داخل المجتمع الصهيوني، أو يُخزن في بيوت جنود ومستعمرين، بما يغذي دوامة العنف الداخلي التي تئن تحت وطأتها بلدات فلسطينيي الداخل على وجه الخصوص. هذا التشابك بين السلاح العسكري الرسمي والسوق السوداء يربك أجهزة الأمن، ففي كل محاولة لتشديد القبضة على الداخل تتكشف مرة أخرى جذور المشكلة داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، لا خارجها.

ومن زاوية أوسع، فإن تكرار هذه الفضائح خلال الحروب والعدوانات الكبرى يعرّي جزءاً من خطاب “السيطرة الكاملة” الذي يسوّقه قادة الكيان الصهيوني؛ ففي ظل الانشغال على الجبهات، تتسع الثغرات في القواعد الخلفية، وتبرز على السطح ظواهر مثل انتحال شخصيات عسكرية للوصول إلى مواقع حساسة والتقاط الصور مع كبار المسؤولين قبل سرقة أسلحة وطائرات مسيّرة من قلب مناطق القتال. هذه القصص، التي خرج بعضها إلى العلن في السنوات الأخيرة، تحوّل شعار “الجيش الأكثر أخلاقية وتنظيماً” إلى مادة للسجال الداخلي، وتكشف أن حالة الاستنفار والحرب لا تقوّي المنظومة دائماً، بل قد تفضح نقاط ضعفها وتعمّقها.

في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى إعلان لي عييش الأخير باعتباره حلقة جديدة في سلسلة اعترافات اضطرارية، تحاول فيها أجهزة الكيان الصهيوني الإمساك بخيوط أزمة انفلتت من حدود القاعدة العسكرية إلى حدود المجتمع والسياسة. فالتحقيق مع جنديين من الوحدات القتالية في أربع حوادث سرقة متفرقة يفتح الباب أمام تساؤلات عن حجم الشبكات التي لم تُكشف بعد، وعن مدى قدرة القيادة على حصر الظاهرة في إطار “التجاوزات الفردية” دون مواجهة الأسئلة الأعمق عن بنية جيش الكيان الصهيوني، ودور الحرب الممتدة في تفكيك انضباطه الداخلي، ودلالة أن يتحول السلاح الذي يُستخدم لقمع الشعوب إلى عامل تهديد متزايد لمن يحملونه ومن يقفون خلفهم سياسياً.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.