مآلات ميديا – مآلات سياسية :
في لحظة فارقة من تاريخ الصراع في المنطقة، اختارت طهران أن تخرج عن صمتها التكتيكي لتعلن، وبصوت واضح عبر المتحدث باسم خارجيتها علي صفري، أنها لن تقبل بعد اليوم معادلة يتدفق فيها النفط بأمان عبر مضيق هرمز بينما تستباح دماء اللبنانيين تحت نيران العدوان الأمريكي – الصهيوني على الجبهة اللبنانية. هذا الإعلان جاء كقرار استراتيجي محسوب، يربط حرية الملاحة في واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم بوقف الحرب على لبنان، في رسالة مفادها أن زمن الفصل بين أمن الخليج وأمن المقاومة قد انتهى، وأن المنطقة وحدة جغرافيا ومصير.
تأكيد صفري على أن طهران تسلمت الرد الأمريكي على المقترح الإيراني المؤلف من 14 نقطة عبر وسطاء باكستانيين، وأنها تدرسه بدقة رغم انعدام الثقة العميق تجاه واشنطن، يعكس حرص القيادة الإيرانية على استنفاد مسارات الدبلوماسية قبل الانزلاق إلى خيارات أكثر حدة. فإيران، التي دفعت ثمناً باهظاً لعقود من الحصار والعقوبات والتهديدات، تبدو اليوم أكثر تمسكا بمنطق التفاوض الندّي لا الاستسلامي، وترفض أن تتحول مقترحاتها السياسية إلى مجرد ورقة تجميل لسياسات أمريكية قائمة على الإملاء وفرض الشروط من موقع القوة العسكرية.
فعندما تربط طهران بين فتح مضيق هرمز ووقف الحرب في لبنان، فإنها في الواقع تعيد تعريف قواعد اللعبة التي حاولت قوى الهيمنة تكريسها لعقود، حيث يكون النفط فوق الإنسان، والمصالح الغربية فوق سيادة شعوب المنطقة واستقرارها. بهذا الربط، تقول إيران للعالم بلغة لا تحتمل التأويل: إذا كانت السفن وناقلات النفط تستحق كل هذا الاستنفار العسكري الغربي، فإن حياة المدنيين في الجنوب اللبناني، وحق المقاومة في الدفاع عن أرضها، لا يقلّان أهمية عن ناقلات الخام التي تعبر هرمز ليلاً ونهاراً إلى موانئ المستفيدين من الحروب. هنا تتجلى محاولة إيرانية واعية لإعادة الاعتبار لمعادلة الإنصاف في الأمن؛ إما أمن للجميع أو توتر محسوب يطال مصالح المعتدي.
اتهامات طهران لدول في المنطقة بالتورط في مشاريع قرارات لإدانتها في مجلس الأمن، وفتح أراضيها أمام العدوان الأمريكي، لا تأتي من فراغ، بل من سجل طويل لتحويل بعض العواصم إلى منصات لاستهداف إيران ومحور المقاومة. ورغم ذلك، لا تسعى طهران إلى فتح جبهة مع هذه الدول بقدر ما توجه إليها تحذيراً مبطناً بأن الرهان على الحماية الأجنبية رهان خاسر، وأن الأمن الحقيقي لا يُستورد من قواعد عسكرية أجنبية بل يُبنى عبر تفاهمات إقليمية صادقة، وهو ما تطرحه إيران في مبادراتها المتكررة للأمن المشترك في الخليج.
وصف صفري للحظة الراهنة بأنها تقف على أعتاب “مرحلة جديدة” بين خيارين لا ثالث لهما: مفاوضات جدية تعترف بموقع إيران ودورها، أو انفجار حرب شاملة، يكشف أن طهران لا تهرب من المواجهة، لكنها في الوقت ذاته لا تسعى إليها بوصفها خياراً أولاً. إن إصراره على أن واشنطن لن تحصل على تنازلات من إيران يعيد تذكير المتابع بتاريخ طويل من الصمود الإيراني في مواجهة أقسى العقوبات والحصارات، حيث خرجت طهران أكثر قدرة على فرض نفسها رقماً صعباً في المعادلات الإقليمية، مستندة إلى رصيد من التضحيات الشعبية وشرعية مقاومة مشروع السيطرة الغربية والصهيونية.
في قلب هذا المشهد التصعيدي، تطرح إيران مجدداً مشروع “أمل” كصيغة للأمن الإقليمي، متقدمة على خصومها بخطوة سياسية لافتة؛ فهي لا تكتفي بتشخيص الخطر، بل تقدم بديلاً يقوم على ترتيب أمني تشاركي بين الدول المطلة على المضيق، بعيداً عن الوصاية الأمريكية التي لم تجلب للمنطقة سوى الحروب والانقلابات والفوضى. هذا المشروع، الذي تعيد طهران إحياءه في لحظة دقيقة، يشكل برهاناً على أن إيران لا تُراهن على الفوضى في المضيق كما يحاول البعض تصويرها، بل على منظومة تحمي الملاحة وتحفظ في الوقت نفسه كرامة شعوب المنطقة وحقها في إدارة مواردها وأمنها بنفسها.
ربط إيران للجبهة اللبنانية بمضيق هرمز يمنح المقاومة في لبنان بعداً استراتيجياً إضافياً؛ فهي ليست في الرؤية الإيرانية، مجرد قوة محلية تدافع عن أرضها في مواجهة الكيان الصهيوني، بل جزء من منظومة ردع أوسع تمتد من طهران إلى بيروت. بهذا الربط، تعلن إيران عملياً أن أي محاولة لعزل لبنان عن عمقه الإقليمي، أو تطويق المقاومة بقرارات دولية مفصلة على مقاس الكيان الصهيوني، ستكون لها كلفة تتجاوز حدود الساحل اللبناني لتلامس خطوط الملاحة الدولية نفسها. إنه توسيع مدروس لهامش الردع، يضع المعتدي أمام معادلة بسيطة: لا يمكنكم إشعال جبهة ومعاقبة من يحاول إطفاءها في الوقت ذاته.
ورغم تشاؤم طهران من نوايا واشنطن، كما عبّر صفري، فإن إصرارها على دراسة الرد الأمريكي، وإبقاء باب الوساطة مفتوحاً عبر قنوات مثل الوسيط الباكستاني، يعكس إحساساً عالياً بالمسؤولية تجاه شعوب المنطقة التي اكتوت طويلاً بنيران الحروب. فإيران، وهي تصوغ خطاباً حاداً في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، تحرص في الوقت ذاته على إرسال رسالة طمأنة إلى الداخل والخارج مفادها أنها لا تسعى لقطع شريان التجارة العالمية من باب العبث أو المغامرة، بل تستخدم أوراق قوتها لتثبيت حق مشروع في الدفاع عن نفسها وعن محور المقاومة، ضمن معركة أوسع لانتزاع اعتراف دولي بالتوازن الجديد للقوى في المنطقة.
من زاوية أخرى، يكشف الإصرار الإيراني على عدم تقديم تنازلات مجانية، وعلى ربط أي تهدئة في المضيق بوقف الحرب على لبنان، عن إدراك عميق لتجارب الماضي؛ فقد خبرت طهران جيداً كيف كانت التهدئات الجزئية تُستخدم لشراء الوقت وإعادة ترتيب صفوف المعسكر الآخر، من دون أي ضمانات حقيقية بتحسين أوضاع الشعوب أو تخفيف الحصار عليها. لذلك، يبدو الموقف الإيراني الحالي أشبه بمحاولة لتثبيت معادلة ردع سياسية وأمنية تُخرج المنطقة من منطق “سلام الضعفاء” إلى منطق “تفاهم الأقوياء”، حيث يُمنح الأمن مقابل الأمن، والالتزام مقابل الالتزام، لا مقابل الخضوع.
هكذا، يتبدّى تصريح علي صفري ليس فقط كبيان موقف رسمي، بل كوثيقة تلخص فلسفة إيران في هذه المرحلة: لا استقرار حقيقياً في المنطقة ما دام دم اللبنانيين رخيصاً في نظر المعتدي، ولا حرية ملاحة مضمونة في مضيق هرمز ما لم تُحترَم إرادة الشعوب في اختيار حلفائها ومسارها السياسي. بين هذين الحدّين، تتحرك طهران على حافة التوازن الصعب بين تجنب الحرب الشاملة وعدم التفريط بأوراق قوتها، مقدمة نفسها – في خطابها على الأقل – كقوة إقليمية تحاول أن تفرض منطق العدالة في أمن الطاقة وأمن الإنسان معاً، في مواجهة منظومة غربية لا ترى في المنطقة إلا حقلاً مفتوحاً للنهب والابتزاز.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















