مآلات ميديا – متابعات :
في تطور استثنائي يكشف عن أبعاد جديدة للصراع الإقليمي ويعيد رسم خريطة المواجهة الخفية في الشرق الأوسط، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية عن واحدة من أكثر العمليات العسكرية السرية جرأة في التاريخ الحديث للمنطقة، حيث أقام الكيان الصهيوني قاعدة عسكرية سرية في عمق الصحراء العراقية، على بُعد نحو ألف ميل من الأراضي المحتلة، لتكون منصة لوجستية متقدمة لدعم حملته الجوية الضخمة ضد إيران التي بدأت في فبراير 2026 بالتعاون مع الولايات المتحدة. المنشأة التي أُنشئت قبيل اندلاع الحرب مباشرة بعلم كامل من واشنطن، استضافت قوات خاصة من سلاح الجو الصهيوني مدربة على العمليات الخاصة في عمق الأراضي المعادية، إلى جانب فرق بحث وإنقاذ مُجهزة للتدخل السريع في حال إسقاط أي طيار صهيوني فوق الأراضي الإيرانية خلال العمليات التي استمرت نحو خمسة أسابيع ونفذ خلالها الكيان الصهيوني أكثر من 10,800 غارة جوية على أهداف إيرانية.
هذه القاعدة السرية التي منحت الكيان الصهيوني ميزة استراتيجية هائلة بتقريب المسافة إلى مسرح العمليات وتوفير نقطة ارتكاز لوجستية متقدمة على بُعد 1,800 كيلومتر من الأراضي المحتلة، كادت تُكشف بمحض الصدفة في مطلع مارس/آذار 2026 عندما أبلغ راعٍ عراقي بسيط السلطات عن تحركات مشبوهة لمروحيات ونشاط عسكري غير معتاد في منطقة صحراوية نائية تقع على بُعد حوالي 250 كيلومتراً غرب كربلاء وعلى مسافة 50 كيلومتراً من مدينة النخيب. هذا الإبلاغ الذي بدا عادياً في حينه، كان سيُغير مجرى الأحداث لو تم التعامل معه بشكل مختلف، إذ أن المنطقة الصحراوية الشاسعة والمنخفضة الكثافة السكانية بين محافظات النجف وكربلاء والأنبار كانت المكان المثالي لمثل هذه العمليات السرية نظراً لبُعدها عن العيون وصعوبة مراقبتها بشكل مستمر.
لم يتأخر رد الفعل العراقي، فقد حشدت قيادة عمليات كربلاء قوة استطلاعية كبيرة تضم نحو 30 عجلة همر عسكرية ترفع الأعلام العراقية للتحقيق في طبيعة النشاط المشبوه، لكن ما حدث بعد ذلك كان صادماً ويكشف عن حجم الانتهاك السيادي الذي تعرض له العراق. تعرضت القوة العراقية التي كانت تقوم بواجبها الوطني في حماية الأراضي العراقية، لهجوم جوي عنيف ومكثف من طائرات مجهولة الهوية استهدفتها بقصف مباشر أدى إلى مقتل منتسب أمني واحد على الأقل وإصابة اثنين آخرين وتدمير إحدى العجلات العسكرية. المفاجأة الكبرى كانت أن هذه الضربات الجوية لم تكن عشوائية، بل كانت محسوبة بدقة لإبعاد القوات العراقية عن اكتشاف الموقع السري الذي كان الكيان الصهيوني يستخدمه كمنصة متقدمة في حربه ضد إيران، وفقاً لما كشفته مصادر أمريكية لصحيفة “وول ستريت جورنال”.
ورغم عنف الهجوم، لم تتوقف السلطات العراقية عن محاولة كشف اللغز، فدفعت بتعزيزات كبيرة من جهاز مكافحة الإرهاب تضم فوجين كاملين لتمشيط المنطقة الصحراوية الشاسعة التي تُعتبر “منطقة رخوة” أمنياً ومصدر قلق للسلطات العراقية خشية أن تتحول إلى منطلق لتهديد المحافظات الجنوبية. عثرت القوات العراقية على مؤشرات ودلائل تشير إلى وجود نشاط عسكري مكثف في الموقع، لكن القاعدة الصهيونية نفسها لم يتم الكشف عنها بشكل نهائي، ما يشير إلى أن القوات الصهيونية نجحت في إخلاء الموقع أو إخفاء معالمه قبل وصول التعزيزات العراقية.
في هذا السياق المشحون، خيّم تعتيم رسمي لافت على الحادثة من قبل الحكومة العراقية، رغم أن نائب قائد العمليات المشتركة، الفريق أول الركن قيس المحمداوي، أكد تقديم مذكرة احتجاج رسمية للتحالف الدولي ووصف الحادثة بأنها “عمل غادر وجبان” نُفذ دون تنسيق أو موافقة رسمية، مشدداً على عدم وجود أي اتفاق يسمح بتواجد قوات أجنبية في تلك المنطقة. كما أعلنت رئاسات الجمهورية والوزراء والبرلمان رفضها القاطع لاستخدام الأراضي أو الأجواء أو المياه العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، في إشارة واضحة إلى عدم رضاها عن استخدام أراضيها في الصراع الإقليمي.
من الجانب الأمريكي، سارعت القيادة المركزية إلى نفي أي تورط مباشر لها في الحادثة، مؤكدة عدم وجود تقارير عملياتية تدعم الادعاءات بتنفيذ إنزال جوي أمريكي في صحراء النجف. لكن هذا النفي التقني يبدو محسوباً بعناية، إذ كشفت تحقيقات “وول ستريت جورنال” لاحقاً أن الولايات المتحدة كانت على علم كامل بإنشاء القاعدة الصهيونية منذ البداية، رغم أن مصدراً مطلعاً أكد أن واشنطن لم تشارك في الضربات الجوية التي استهدفت القوات العراقية. هذا الموقف الأمريكي المزدوج يكشف عن استراتيجية دقيقة تهدف إلى تجنب المسؤولية المباشرة مع الحفاظ على التنسيق الاستخباراتي والعسكري مع الكيان الصهيوني، في إطار ما يُعتبر تحالفاً استراتيجياً ضد إيران امتد ليشمل استخدام الأراضي العراقية دون علم أو موافقة الحكومة العراقية.
أما الكيان الصهيوني، فقد التزم الصمت الرسمي التام ولم يؤكد أو ينفي مشاركته في العملية، وفقاً لنمطه المعتاد في التعامل مع العمليات السرية خارج أراضيه، حيث سبق له أن امتنع عن التعليق الرسمي على عمليات عسكرية سابقة في العراق. هذا الصمت الصهيوني يأتي في إطار سياسة أمنية راسخة تعتمد على عدم الاعتراف أو النفي الرسمي للعمليات الحساسة، ما يمنحه مرونة دبلوماسية ويقلل من التداعيات السياسية المباشرة.
من منظور استراتيجي، تحمل هذه الكشوفات دلالات عميقة ومتعددة المستويات تعيد تشكيل فهمنا للتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، فالقدرة الصهيونية على إنشاء قاعدة عسكرية سرية في عمق الأراضي العراقية واستخدامها كمنصة لوجستية لعمليات ضد إيران تكشف عن تغلغل استخباراتي وعسكري غير مسبوق يتجاوز كل الحسابات التقليدية للسيادة الوطنية. كما أن علم الولايات المتحدة المسبق بهذه القاعدة يكشف عن مستوى من التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب يصل إلى حد التواطؤ في انتهاك السيادة العراقية، في تطور يضع العراق في موقف بالغ الحرج بين ضغوط إيرانية لاتخاذ موقف حازم وبين ارتباطاته الأمنية والسياسية مع الولايات المتحدة.
على صعيد المآلات المستقبلية، يُنذر هذا الكشف بتصاعد محتمل في التوترات الإقليمية وتحولات جيوسياسية عميقة، إذ أن استخدام الأراضي العراقية كساحة للصراع الصهيوني-الإيراني يضع بغداد في مواجهة تحديات أمنية وسياسية معقدة قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب مع الفصائل الموالية لإيران داخل العراق، والتي قد تعتبر الصمت الحكومي تواطؤاً يستدعي رداً عسكرياً. كما يكشف الحدث عن هشاشة السيطرة العراقية على مناطقه الصحراوية الشاسعة التي قد تتحول إلى ساحات لصراعات إقليمية أوسع، خاصة في ظل استمرار التوتر بين الكيان الصهيوني وإيران رغم وقف إطلاق النار المؤقت الذي تم التوصل إليه في أبريل 2026.
من ناحية أخرى، يطرح هذا الكشف تساؤلات جوهرية حول مستقبل السيادة الوطنية في المنطقة ومدى قدرة الدول على حماية أراضيها من التدخلات العسكرية الأجنبية في عصر الحروب الهجينة والعمليات الخاصة، فما حدث في صحراء النجف يمثل نموذجاً جديداً من الانتهاكات السيادية التي تتم بصمت وبعلم بعض القوى الكبرى دون إمكانية المحاسبة أو الرد الفعال. كما أن الكشف الإعلامي عن القاعدة بعد شهرين من الحادثة يضع الحكومة العراقية تحت ضغوط داخلية وخارجية متزايدة للتحقيق والمحاسبة، ما قد يفتح الباب أمام تحولات سياسية وأمنية غير متوقعة في المنطقة، خاصة إذا ما قررت بغداد اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه الانتهاكات الصهيونية أو الأمريكية لسيادتها.
في التحليل النهائي، تكشف قصة القاعدة الصهيونية السرية في الصحراء العراقية عن واقع جديد في الصراعات الإقليمية، حيث لم تعد الحدود الوطنية حاجزاً أمام العمليات العسكرية السرية، ولم تعد السيادة الوطنية مفهوماً مطلقاً في عالم تحكمه التحالفات الاستراتيجية والمصالح الجيوسياسية المتشابكة. وفيما يبقى مصير القاعدة الصهيونية والظروف المحيطة بها غامضاً، يظل السؤال الأكبر معلقاً: كم من القواعد السرية الأخرى موجودة في مناطق أخرى من الشرق الأوسط دون علم الحكومات المحلية أو الرأي العام، وإلى أي مدى يمكن للقوى الإقليمية أن تستمر في استخدام أراضي دول أخرى كساحات لصراعاتها دون عواقب حقيقية على السيادة والأمن الإقليمي.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















