image

مآلات ميديا – متابعات:
تحولت اعترافات الإعلام العبري بشأن مسيّرات حزب الله في يوميات الجبهة الشمالية إلى شهادة من داخل المنظومة الصهيونية على أن المقاومة اللبنانية نجحت في نقل المواجهة إلى مستوى جديد، تُقاس فيه القوة لا بحجم الترسانة وحدها، بل بقدرة العقل العسكري على ابتكار أدوات تضرب نقاط الضعف في أكثر الجيوش تباهياً بتفوقه التقني. فقد نقلت “جيروزاليم بوست” عن مصادر في جيش الاحتلال وسلاح الجو أن الجيش لا يملك حتى الآن “إجابة كاملة” على هجمات مسيّرات FPV، وأنه لا توجد “وصفة سحرية” لإيقافها بصورة محكمة، خصوصاً لأنها تعتمد على مشغّلين بشريين وتقنيات تجعل التشويش عليها أكثر صعوبة وفتكاً.

وتكشف طبيعة الحدث أن حزب الله لم يعد يستخدم المسيّرات كأداة استطلاع أو إرباك محدود، بل حوّلها إلى سلاح اصطياد دقيق يلاحق قوات الاحتلال داخل جنوب لبنان وعلى تخوم الحدود، حيث أكدت تقارير أن هجمات بطائرات متفجرة أوقعت قتلى وجرحى في صفوف الجيش الصهيوني خلال أيام قليلة رغم وجود وقف لإطلاق النار منذ منتصف أبريل. وفي إحدى الوقائع البارزة، قُتل الجندي عيدان فوكس وأصيب ستة آخرون في هجوم بمسيّرة قرب قرية الطيبة، فيما أشارت تقارير أخرى إلى استهداف عمليات الإخلاء اللاحقة بمسيّرات إضافية، بما يعكس انتقال المقاومة من الضربة المنفردة إلى هندسة كمائن جوية متتابعة تُربك القرار الميداني وتضاعف الضغط النفسي على القوات .

غير أن الأهم في هذا التطور ليس عدد الخسائر وحده، بل طبيعة السلاح الذي فرض نفسه على ميدان القتال؛ فالمسيّرات الموجّهة بالألياف الضوئية تعمل عبر كابلات دقيقة شبه غير مرئية بدلاً من الإشارات اللاسلكية التقليدية، ما يجعلها أكثر مقاومة للتشويش على الاتصالات ونظام تحديد المواقع، ويمنحها قدرة على الطيران المنخفض والسريع بما يصعّب اكتشافها واعتراضها . وبحسب “جيروزاليم بوست”، فإن هذا النمط من المسيّرات الصغيرة والمناورة بات يستهدف الجنود والمتعاقدين، ويجعل السماء القريبة من القوات البرية مصدراً دائماً للخطر حتى أمام القناصين المهرة وأنظمة الدفاع المتقدمة.

ومن هنا تبدو المفارقة الاستراتيجية شديدة الوضوح: منظومة احتلال تملك واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي تقدماً تجد نفسها عاجزة أمام سلاح منخفض الكلفة، صغير الحجم، مستوحى من دروس حرب أوكرانيا، لكنه مطوّع بذكاء داخل بيئة جنوب لبنان وخصوصية تضاريسها . وقد لخصت إذاعة الجيش الصهيوني هذا المأزق حين نقلت عن مسؤولين عسكريين كبار قولهم إن الجيش دخل الحرب في لبنان “دون أدوات كافية” لمواجهة تهديد المسيّرات، بينما قال جندي صهيوني إن التعليمات تكاد تختصر في أن يكون الجنود متيقظين وأن يطلقوا النار إذا رأوا المسيّرة.

وفي محاولة لاحتواء الفجوة، لجأت وحدات الاحتلال إلى حلول ميدانية مرتجلة مثل نشر الشباك فوق المواقع والمباني والنوافذ، وهي إجراءات وصفها ضابط صهيوني بأنها “غير كافية على الإطلاق”، بينما تحدثت “جيروزاليم بوست” عن أن الرد الفعلي على المسيّرات الموصولة بالألياف الضوئية لا يكون غالباً بالتشويش، بل بالاعتراض الحركي المباشر . وهذا يعني أن حزب الله لا يختبر سلاحاً جديداً فحسب، بل يفرض على خصمه معادلة دفاعية مربكة تُسقط جزءاً من رهانه التاريخي على الإنذار المبكر والتفوق الإلكتروني والسيطرة الجوية.

أما دلالة هذا التحول فهي أن المقاومة اللبنانية تحاول تثبيت معادلة استنزاف دقيقة داخل ما يسميه الكيان الصهيوني منطقة أمنية في جنوب لبنان، بحيث يصبح كل تمركز وكل حركة هندسية وكل دورية هدفاً قابلاً للرصد والضرب بتكلفة محدودة وأثر معنوي مرتفع. وقد رأت “جيروزاليم بوست” أن استخدام حزب الله لهذه المسيّرات يمثل طريقته لمواجهة جيش الاحتلال في “العصر الجديد”، وأن التهديد يظهر داخل المنطقة العازلة التي عمل الكيان على تشكيلها في لبنان .

ومن زاوية أوسع، يكشف الحدث أن الجبهة الشمالية تدخل مرحلة تتراجع فيها فاعلية التفوق التقليدي حين يختار حزب الله أدوات رخيصة ومرنة وقابلة للتطوير السريع، ومصممة لاستغلال الثغرات لا لمجاراة الخصم في ميادين قوته. وإذا كان جيش الاحتلال يراهن على تطوير تكتيكات جديدة واختبارات مضادة، فإن سلاح الجو الصهيوني نفسه أقر بأن تهديد مسيّرات FPV لن يزول دفعة واحدة، وأن ضرب منظومة التشغيل والمواد والمشغّلين قد يصبح جزءاً من المعركة المقبلة لا مجرد إجراء دفاعي.

ولهذا، فإن المآل الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في حسم سريع لمصلحة الكيان، بل في سباق تكيف طويل يبدو حزب الله فيه أكثر قدرة على المبادرة الميدانية، لأنه يفرض على خصمه نمط مواجهة لا يشبه الحروب التي صُممت لأجلها منظوماته الثقيلة. وإذا صدقت تقديرات سلاح الجو الصهيوني بأن توسيع حرية الضرب شمال الليطاني قد يقلص تهديد FPV، فإن ذلك يكشف في الوقت نفسه أن العجز التقني قد يدفع الكيان إلى توسيع بنك الأهداف بدلاً من الاعتراف بأن المقاومة نجحت في فرض معادلة ردع منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

في المحصلة، لم تكشف مسيّرات حزب الله مجرد ثغرة موضعية في الجبهة الشمالية، بل عرّت سؤالاً أعمق حول حدود القوة الصهيونية حين تواجه خصماً يتعلم بسرعة ويحوّل التكنولوجيا المدنية والعسكرية الخفيفة إلى أدوات ضغط استراتيجية. وبينما يحاول الكيان ترميم صورته كقوة قادرة على رؤية كل شيء واعتراض كل شيء، يثبت حزب الله أن السماء القريبة من الأرض لم تعد حكراً على الطائرات الكبرى ولا على الصواريخ البعيدة، بل أصبحت ميداناً جديداً قد يحسمه خيط ألياف لا يراه الرادار قبل أن يغيّر ميزان الخوف في الميدان.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.