مآلات ميديا – متابعات :

في لحظة سياسية فارقة من عمر العدوان على اليمن، تبدو صنعاء وقد انتقلت من موقع الصمود الطويل إلى موقع فرض المعادلة، بعدما تم تداوله عن نجاح تفاهمات تاريخية مع الرياض في فتح الباب أمام مرحلة جديدة لا تشبه سنوات النار والحصار والاستنزاف. فالمشهد لم يعد محكوماً بإيقاع الجبهات وحدها، ولا بلغة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي حاولت تطويع القرار اليمني، بل أصبح محكوماً بإقرار عملي بأن الطريق إلى السلام يمر من صنعاء، وأن أي تسوية لا تبدأ من حقوق اليمنيين في الأسرى والمرتبات والسيادة والموارد لن تكون سوى هدنة مؤجلة الانفجار.

وتأتي أهمية هذه المعطيات من كونها لم تعد حديثاً معزولاً في هامش التداول السياسي، إذ تناقلتها مصادر متعددة في سياق الحديث عن تفاهمات واسعة يجري الدفع بها نحو تثبيت مسار جديد لإنهاء الحرب. وهذا التعدد في مسارات التداول يمنحها ثقلاً سياسياً إضافياً، لا لأنها تكشف البنود وحدها، بل لأنها تعكس اتجاهاً عاماً يتشكل خلف الكواليس، حيث تنتقل الملفات الكبرى من خانة الشروط المتبادلة إلى خانة الترتيبات التي يمكن أن تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب.

وتأتي في مقدمة هذه التفاهمات صيغة إطلاق الأسرى وفق قاعدة “الكل مقابل الكل” بلا استثناء، وهي خطوة تتجاوز بعدها الإنساني العميق إلى معناها السياسي الأوسع، إذ تعني أن ملفاً ظل لسنوات أحد أكثر جروح العدوان إيلاماً يتحول اليوم إلى بوابة ثقة، وأن آلاف العائلات التي أنهكها الانتظار تقترب من لحظة عودة أبنائها. وبذلك لا يصبح الإفراج عن الأسرى مجرد إجراء تبادلي بين أطراف متحاربة، بل إعلاناً رمزياً بأن صفحة من أكثر صفحات العدوان قسوة توشك أن تُطوى، وأن صوت الأمهات والزوجات والأطفال انتصر أخيراً على قسوة الحسابات العسكرية.

ومن هذا المدخل الإنساني، تمتد التفاهمات إلى القلب الاقتصادي للأزمة، حيث جرى الاتفاق وفق تلك المصادر على صرف المرتبات لجميع موظفي الدولة، في خطوة تحمل دلالة بالغة لأنها تعيد الاعتبار للموظف اليمني الذي دُفع إلى هامش الجوع والانتظار. فالراتب هنا ليس رقماً في كشف مالي، بل حق عام ومؤشر على عودة مؤسسات الدولة إلى أداء وظيفتها، ورسالة واضحة بأن الحرب الاقتصادية التي استهدفت معيشة اليمنيين لم تعد قادرة على البقاء خارج أي تسوية. وبقدر ما تعيد هذه الخطوة شيئاً من الحياة إلى البيوت والأسواق والمدارس والمستشفيات، فإنها تكشف أيضاً أن صنعاء استطاعت نقل ملف المعيشة من خانة المناشدات إلى خانة الالتزامات السياسية الملزمة.

وعلى الخط نفسه، يبرز توحيد البنك المركزي وإعادته إلى صنعاء بوصفه واحداً من أكثر بنود التفاهمات حساسية وعمقاً، لأنه يمس جوهر السيادة المالية للدولة اليمنية. فالبنك المركزي لم يكن مجرد مؤسسة نقدية، بل ظل عنواناً لانقسام اقتصادي أرهق العملة، وعمّق الفوضى المصرفية، وفتح الباب أمام استخدام المال العام كسلاح في العدوان على اليمن. ومن هنا فإن عودته إلى صنعاء تعني، في جوهرها، إعادة وصل ما انقطع في الجسد المالي اليمني، وكسر واحدة من أخطر أدوات التبعية، ووضع الموارد النقدية تحت سقف سيادي يعيد للدولة قدرتها على التخطيط والإنفاق والرقابة.

غير أن الأبعاد السياسية لهذه التفاهمات لا تقف عند الاقتصاد، إذ يحمل الانسحاب الجزئي للقوات السعودية من الجنوب، تمهيداً للانسحاب الكلي العام القادم، إشارة واضحة إلى أن زمن الوجود العسكري المفتوح يقترب من نهايته. فهذا المسار لا يمكن قراءته كإجراء ميداني معزول، بل كتحول في ميزان القوة، وكاعتراف ضمني بأن الأرض اليمنية لا يمكن أن تبقى مساحة نفوذ عسكري خارجي إلى ما لا نهاية. ومع بدء الانسحاب، تتقدم فكرة استعادة القرار الوطني من كونها شعاراً سياسياً إلى مسار عملي، يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الداخل اليمني بعيداً عن الوصاية والتدخل المباشر.

أما الالتزام السعودي بدفع 400 مليار دولار لإعادة إعمار اليمن، فيمثل البند الأكثر دلالة على اقرار السعودية بالضرر الي الحقته باليمن ارضا و انسانا و بالرغم من ذلك فهو ينقل النقاش من وقف الحرب إلى معالجة آثارها، ومن الحديث عن التهدئة إلى سؤال المسؤولية عن الدمار. فاليمن لا يحتاج إلى وعود تجميلية ولا مشاريع رمزية متناثرة، بل إلى إعادة بناء واسعة تعيد للمدن المدمرة بنيتها، وللقرى خدماتها، وللموانئ والمطارات والطرق والمستشفيات والمدارس دورها الطبيعي. ومن هنا فإن هذا الالتزام لا يبدو مجرد بند مالي، بل إقراراً بثقل الخراب الذي أصاب اليمن، وبحق شعبه في التعويض والإنصاف واستعادة شروط الحياة الكريمة.

وبين الأسرى والمرتبات والبنك والانسحاب والإعمار، تتشكل ملامح معادلة جديدة عنوانها أن صنعاء لم تدخل التفاوض بحثاً عن نجاة سياسية، بل دخلته حاملة شروط السلام الحقيقي. فالسلام، وفق هذه المعادلة، لا يعني توقف الرصاص فقط، بل يعني عودة الإنسان إلى بيته، والموظف إلى راتبه، والدولة إلى مؤسساتها، والأرض إلى أهلها، والقرار إلى اليمنيين. ولذلك تبدو هذه التفاهمات وكأنها تنقل اليمن من زمن الحرب المفروضة إلى زمن التسوية المشروطة بالحقوق، ومن مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تفكيك أسبابها.

وفي العمق الاستراتيجي، تكشف هذه اللحظة أن صنعاء استطاعت تحويل الصمود إلى رصيد تفاوضي، وأن السنوات التي أُريد لها أن تكسر الإرادة اليمنية أفرزت نتيجة معاكسة، حيث بات الطرف الذي تعرض للحصار والحرب قادراً على فرض جدول التفاوض ومفرداته. كما أن الرياض، وهي تقبل بهذه البنود، تبدو كمن يراجع كلفة الحرب ويدرك أن استمرارها لم يعد يضمن مكاسب، وأن الخروج منها يمر عبر الاعتراف بالوقائع التي صنعتها الميدان والسياسة معاً.

لذلك فإن ما يجري لا يمكن اختزاله في تفاهمات تقنية أو إجراءات مرحلية، بل هو انعطافة في تاريخ اليمن الحديث، قد تفتح إذا نُفذت بإرادة صادقة باباً واسعاً أمام نهاية الحرب والاحتلال وبداية ترميم الدولة والمجتمع. فصنعاء، التي صمدت تحت النار والحصار، تخرج اليوم وهي تحمل تصوراً لسلام لا يفرّط بالسيادة، ولا يقايض الحقوق بالهدوء، ولا يسمح بتحويل إعادة الإعمار إلى منّة سياسية. ومن بين ركام السنوات الثقيلة، يلوح يمن جديد يحاول أن ينهض لا بوصفه ساحة صراع، بل وطناً يستعيد قراره وكرامته وموقعه.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.