مآلات ميديا – مآلات محلية :
كشفت رحلة نقل واحدة من عدن إلى مأرب، بتاريخ 24 أبريل 2025، حجم العبء المالي الذي يواجهه سائقو الشاحنات على طرق اليمن، بعدما وثق السائق عمر محمد الضيعة، بحسب ما نشره موقع عدن أوبزيرفر، دفع 901 ألف ريال يمني كرسوم وجبايات لقاطرة محملة بالحديد في مسار واحد فقط. وتوزعت هذه المبالغ بين عدن ولحج وأبين وشبوة ومأرب، لكن الثقل الأكبر تركز في شبوة وأبين، إذ بلغت جبايات شبوة 450 ألف ريال، وأبين 300 ألف ريال، أي إن المحافظتين وحدهما استحوذتا على أكثر من أربعة أخماس المبلغ الإجمالي وفق كشف الرحلة المنشور.
ولا تقف أهمية هذا الكشف عند رقم يقترب من المليون ريال، بل عند طبيعة المسميات التي توزعت بين صيانة طرق، ونظافة وتحسين، وتنمية خدمات، وتأمين نقاط، وإدارة محلية، وهي مسميات تبدو في ظاهرها إدارية أو خدمية، لكنها تتحول عند تكرارها من محافظة إلى أخرى إلى كلفة مركبة يدفعها السائق أولاً ثم تنتقل إلى التاجر والمستهلك أخيراً. كما أن المصدر المنشور ينسب الوثائق إلى السائق وصفحته على فيسبوك مع الإشارة إلى سندات مرفقة، من دون أن يقدم تحققاً رسمياً مستقلاً من كل جهة محصلة، وهو ما يفرض التعامل مع الواقعة بوصفها كشفاً موثقاً من طرف السائق لا حكماً قضائياً نهائياً على قانونية كل سند.
غير أن الواقعة لا تبدو معزولة عن السياق اليمني الأوسع، فقد وثق مركز صنعاء للدراسات أن الجبايات غير القانونية والابتزاز عند نقاط التفتيش العسكرية والأمنية أصبحت من ملامح السفر في زمن الحرب، وأن الشاحنات التجارية تعد هدفاً مربحاً لأنها مضطرة للاختيار بين الدفع أو تحمل تأخير مكلف. ويشير المركز أيضاً إلى أن سائقي الشاحنات في أبين نفذوا في أكتوبر 2022 إضراباً استمر 25 يوماً احتجاجاً على جبايات وصلت إلى نحو مليون ريال يمني للرحلة الواحدة، قبل التوصل إلى اتفاق يقضي بتحصيل 200 ألف ريال في نقطة واحدة محددة.
ومن هنا، تبدو رحلة الحديد هذه كأنها صورة مصغرة لدولة طرق متعبة، حيث لا تتحرك البضاعة فوق الإسفلت وحده، بل فوق شبكة من السلطات المحلية والنقاط الأمنية والرسوم المتعددة والمخاطر المفتوحة. وقد ربطت دراسات عن النقل في اليمن بين إغلاق الطرق الرئيسية، واللجوء إلى مسارات بديلة مكلفة وخطرة، وتضاعف الأعباء على حركة السلع والخدمات بين المحافظات.
وتصبح الدلالة الاقتصادية للحدث أكثر خطورة عندما نضع الرقم في مساره الطبيعي داخل السوق، فكل مبلغ يدفع عند نقطة لا يختفي في دفتر السائق، بل يدخل في تكلفة النقل ثم في سعر الحديد أو الغذاء أو الدواء أو أي سلعة عابرة للطريق. وقد أكد مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أن تكاليف النقل في اليمن أصبحت أعلى بخمس مرات من مستويات ما قبل الحرب، وأن المستوردين والمستهلكين اليمنيين هم من يتحملون في النهاية كلفة عوائق النقل والابتزاز والطرق غير الآمنة.
أما استراتيجياً، فإن أخطر ما تكشفه الواقعة ليس فقط ارتفاع الجباية، بل تآكل فكرة الطريق العام بوصفه مرفقاً موحداً يخضع لقانون واضح. فعندما تتعدد النقاط وتتعدد السندات وتتغير المسميات، يتحول الطريق من شريان اقتصادي إلى مجال تفاوض قسري بين السائق ومن يملك حق الإيقاف، وهو ما يضعف الثقة في السلطة المحلية ويمنح الفاعلين المسلحين أو الإداريين قدرة مباشرة على تسعير الحركة اليومية للناس والبضائع.
ولذلك، فإن دعوة بعض السائقين إلى تأمين الطريق ورفع نقاط الجباية لا تبدو مطلباً فئوياً يخص قطاع النقل الثقيل وحده، بل مطلباً اقتصادياً واجتماعياً يمس المواطن في نهاية السلسلة. وقد أوصت ورقة سياسة للقطاع الخاص اليمني بإزالة الرسوم المالية غير الضرورية على شاحنات البضائع عند نقاط التفتيش المختلفة عبر إزالة النقاط غير الضرورية نفسها، معتبرة أن نقاط التفتيش على خطوط الإمداد الداخلية أدت إلى تكاثر الجبايات غير القانونية.
وفي المحصلة، لا تحكي القاطرة المحملة بالحديد قصة سائق دفع 901 ألف ريال فقط، بل تكشف كيف يمكن للجباية المتكررة أن تصبح ضريبة غير معلنة على كل منزل وسوق ومشروع بناء. وما لم تتحول السندات المتفرقة إلى نظام موحد وشفاف ومحدود، وما لم تعد الطريق إلى وظيفتها الأصلية كمساحة عبور لا كمساحة استنزاف، فإن كل رحلة شحن جديدة ستظل تحمل فوق حمولتها الرسمية حمولة أخرى أثقل: كلفة الانقسام، وضعف الرقابة، وغياب الدولة عن أهم شرايين الاقتصاد.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















