م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
في لحظات التحول الكبرى، لا تتعلق الشعوب بالقادة لأنهم شغلوا مناصب رفيعة، ولا تحفظ أسماءهم لأنهم مرّوا في سجل السلطة، بل لأنها رأت فيهم شيئًا من ذاتها، ووجدت في سلوكهم ما يشبه حاجتها إلى الأمان والعدل والكرامة. فالقائد في زمن الاستقرار قد يُقاس ببرامجه وخططه ونتائج مؤسساته، أما القائد في زمن الحرب والانهيار فيُقاس بما هو أعمق من ذلك: بقدرته على أن يبقى قريبًا من الناس، وأن يمنحهم شعورًا بأن الوطن لم يمت، وأن الدولة، مهما ضعفت، ما تزال قادرة على أن يكون لها وجه إنساني، وضمير أخلاقي، وإرادة تحاول أن تلملم ما تبعثر.

وحين تكون البلاد مثل اليمن، محاصرة بالعدوان، مثقلة بالجوع، ممزقة بالانقسام، ومنهكة بتراجع المؤسسات، يصبح البحث عن القائد بحثًا عن معنى الوطن نفسه. فالناس في هذه اللحظات لا تريد مسؤولًا يضيف إلى معاناتها لغة باردة، ولا قائدًا يطل عليها من بعيد، ولا سلطة تتحدث باسمها من غير أن تقترب من وجعها. إنها تبحث عن صورة مختلفة: رجل يحمل شيئًا من صبرها، ويقف قريبًا من خوفها، ويجعلها تشعر أن المعركة ليست فقط معركة حدود وجبهات، بل معركة حياة وكرامة وبقاء.

من هذا المنطلق تحديدًا يمكن قراءة شخصية الشهيد الرئيس صالح الصماد. فحضوره في الذاكرة اليمنية لا يُفهم من خلال منصبه وحده، ولا من خلال لحظة استشهاده فقط، وإنما من خلال الطريقة التي تشكّلت بها صورته في وعي اليمنيين: قائدًا جاء من عمق التجربة، لا من فراغ السلطة؛ ورجلًا حاول أن يجمع بين صلابة الموقف ولين القرب من الناس؛ ومسؤولًا بدا، في لحظة انهيار واسعة، كأنه يريد أن يحفظ للبلاد ما تبقى من معنى الدولة، وما تبقى للناس من ثقة بأن هناك من يشعر بهم.

لم يصعد صالح الصماد إلى موقعه كواحد من أولئك الذين تصنعهم المصادفات أو تدفعهم موجات الصراع إلى الواجهة من غير رصيد. فقد تكوّنت صورته على مهل: معلّمًا قريبًا من الناس، وناشطًا حاضرًا في بيئته، ومفاوضًا يختبر معنى الخصومة السياسية، ثم قائدًا يحاول أن يوازن بين مقتضيات المواجهة وضرورات الدولة. ولهذا بقي حضوره مختلفًا؛ لأن الناس لا تحفظ القادة بمجرد ألقابهم، بل تحفظ منهم ما تراه في السلوك، وما تلمسه في الموقف، وما يبقى في الوجدان بعد أن تغيب السلطة وتبقى السيرة. وفي حالة الصماد، كان ما بقي في الوجدان هو صورة رجل لم يتعامل مع الحكم باعتباره امتيازًا، وإنما عبئًا ثقيلًا في لحظة شديدة القسوة.

سياسيًا، بدا الرجل في نظر اليمنيين انه القائد الذي يمنح القوة معنى، و يربط بين ضرورات المواجهة وفكرة الدولة. لم تكن صورته، في هذا الوعي، صورة قائد يكتفي بإدارة الحرب، وإنما صورة رجل يريد أن يحوّل الصمود إلى مشروع، وأن يجعل من السلطة أداة تنظيم لا مجرد أداة غلبة. ولذلك اكتسب حضوره بعدًا مختلفًا، لأنه لم يُقدَّم بوصفه صوتًا عاليًا في زمن الضجيج، بل بوصفه رجلًا يحاول جمع ما تفرق، وترتيب ما تبعثر، وإقناع الناس بأن الدفاع عن الوطن لا يكتمل من غير مشروع يحفظ حياة الناس وكرامتهم.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم مركزية شعاره “يد تبني ويد تحمي”. لم يكن الشعار مجرد عبارة دعائية عابرة، بل كان اختصارًا لمعادلة وطنية شديدة الحساسية: لا يمكن حماية الأرض مع ترك الإنسان ينهار، ولا يمكن الحديث عن البناء مع إغفال الخطر الذي يهدد السيادة والكرامة. لقد حاول الصماد، من خلال هذه المعادلة، أن يقول إن الوطن لا يعيش بالسلاح وحده، ولا يعيش بالإدارة وحدها، وإنما يحتاج إلى قيادة تجمع بين الحماية والرعاية، بين الجبهة والمؤسسة، بين البندقية والخبز، بين السيادة وحياة المواطن اليومية.

إداريًا، تتضح إحدى أهم ركائز حضوره. فالناس في زمن الأزمات لا تسأل فقط: من يحكم؟ وإنما تسأل أيضًا: كيف يحكم؟ هل يقترب من الملفات أم يكتفي بالتوجيه من بعيد؟ هل يشعر الموظف والمواطن أن هناك معيارًا واحدًا، أم أن الدولة تتحول إلى شبكة امتيازات؟ هل يرى الناس في القائد انضباطًا وعدلًا وتواضعًا، أم يرون سلطة منفصلة عنهم؟ في هذا المستوى تحديدًا تبرز صورة الصماد كرجل متابعة وانضباط، رجل لا يريد للدولة أن تضيع في العشوائية، ولا يريد للمؤسسة أن تتحول إلى واجهة شكلية بلا روح.

لقد التصقت به، في ذاكرة اليمنيين، صورة القائد الذي يحضر في التفاصيل، لا الذي يكتفي بالخطاب العام. وهذه الصورة شديدة الأهمية في مجتمع هشّ أرهقته الفوضى، لأن الناس لا تحتاج فقط إلى قائد يرفع الشعارات، بل إلى قائد يجعلها تشعر أن هناك من يراقب، ويتابع، ويسأل، ويحاسب، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الصغيرة. من هنا تحولت شخصيته إلى معيار للمقارنة، فكلما شعر الناس بغياب الانضباط، أو بضعف الإدارة، أو بابتعاد الدولة عنهم، عاد اسم الصماد كصورة لما كان يمكن أن تكون عليه القيادة في زمن الحرب.

أما اجتماعيًا، فقد استمد الرجل مكانته من قربه من الناس. لم تكن صورته صورة رئيس محاط بالعزلة، ولا صورة قائد تفصله الحواجز النفسية والمادية عن الجمهور. كان يُقدَّم في خطاب اليمنيين كرجل بسيط، قريب، حاضر بين الناس، يزور الجبهات، يتحرك في الميدان، ويتعامل مع الخطر باعتباره جزءًا من مسؤوليته لا قدرًا مفروضًا على الآخرين وحدهم. وهذه الصورة، في مجتمع عانى طويلًا من الفجوة بين السلطة والمواطن، منحت الصماد مكانة خاصة؛ لأن الناس تميل إلى القائد الذي يشبهها، لا إلى القائد الذي يطل عليها من علٍ.

وهنا تداخل الاجتماعي بالأخلاقي. فالتواضع في لحظات السلطة رسالة سياسية عميقة. حين يرى الناس قائدًا لا يتضخم بالمنصب، ولا يتعامل مع المسؤولية كزينة، فإنهم يقرؤون في ذلك معنى مختلفًا للسلطة. وحين يشعرون أن القائد يشاركهم الخطر، ولا يرسلهم وحدهم إلى مصير مجهول، فإن العلاقة معه تنتقل من الولاء السياسي إلى المحبة الوجدانية. ولهذا لم تكن محبة الصماد مجرد انحياز تنظيمي أو موقف سياسي، بل كانت عند الجميع شعورًا بأن الرجل حمل شيئًا من وجعهم، واقترب من خوفهم، وحاول أن يمنح معاناتهم معنى وكرامة.

وفي البعد الاقتصادي، لم يكن الصماد قائدًا في زمن وفرة حتى يُقاس بما يحققه الرخاء، بل كان قائدًا في زمن ندرة خانقة. ومع ذلك، فإن الذاكرة الشعبية لا تستدعيه من باب أن الأزمة انتهت في عهده، وإنما من باب أنه بدا كمن يتعامل مع الأزمة بجدية ومسؤولية. كان الفارق، في نظر اليمنيين ، انه كان قيادة لم تستخدم الحصار ذريعة دائمة لتعطيل كل شيء، بل كان قيادة تحاول داخل القيود أن تُبقي ما يمكن إبقاؤه من وظيفة الدولة، ومن قدرة الناس على الاحتمال، ومن معنى المسؤولية تجاه المواطن.

ولذلك ظل حضوره الاقتصادي مرتبطًا بفكرة إدارة الندرة لا إنكارها. فالقائد في مثل هذه الظروف لا يُطالب بمعجزات، لكنه يُطالب بأن يشعر الناس أنه لا يتركهم وحدهم أمام الجوع، وأنه لا يحوّل المعاناة إلى خطاب بارد، وأنه يدرك أن معركة الوطن ليست فقط في جبهات القتال، بل في رغيف الخبز، وفي المرتب الغائب، وفي السوق، وفي المستشفى، وفي قدرة الأسرة على مواصلة الحياة. من هنا اكتسبت شخصيته بعدًا شعبيًا، لأنها ارتبطت في الوعي العام بمحاولة حفظ الحياة، لا بمجرد إدارة الصراع.

ثم يأتي البعد الرمزي والروحي ليمنح هذه الصورة عمقها الأخير. فاستشهاد الصماد لم يصنع رمزيته من العدم، لكنه كشف حجم ما كان قد تراكم حوله من معنى. لقد رحل الرجل في لحظة كان محبوه يرون فيه قائدًا حاضرًا في الميدان، قريبًا من الخطر، غير منفصل عن كلفة المواجهة. ولذلك لم يُقرأ استشهاده كغياب فرد من موقع سياسي، بل كاستهداف لرمز كان يمثل احتمالًا مختلفًا للدولة: دولة قريبة من الناس، حاضرة في الميدان، منشغلة بالبناء، ومشدودة إلى فكرة الكرامة الوطنية.

عند هذه النقطة تحول التشييع من واقعة جنائزية إلى حدث رمزي بالغ الكثافة. فالجنازات الكبرى لا تودع الأجساد وحدها، بل تكشف ما كان ذلك الجسد يمثله في وعي الناس. وفي جنازة الصماد، لم يكن المشهد مجرد موكب حزين يرافق قائدًا إلى مثواه، بل كان لحظة رأى فيها محبوه أن ما يُشيَّع أمامهم هو أكثر من رجل. كانوا يرون في النعش مشروعًا كان يحاول أن يتشكل، وذاكرة دولة كانت تقاوم الانهيار، وحلمًا يمنيًا كان يبحث عن قيادة تجمع بين الصمود والبناء، بين البساطة والهيبة، بين القرب من الناس والقدرة على القرار.

وهكذا يتدرج المعنى من الوطن الجريح إلى حاجته لقائد، ومن القائد إلى الرمز، ومن الرمز إلى المشروع، ومن المشروع إلى الوطن. فقد أحب الناس الصماد لأنه لم يظهر لهم كقائد منفصل عنهم، ثم وثقوا به لأنه بدا قريبًا من معنى الدولة، ثم حزنوا عليه لأنه رحل في لحظة كانت البلاد أحوج ما تكون إلى هذا النموذج، ثم قرأوا جنازته لا كتوديع لرئيس فحسب، بل كتوديع لصورة وطن كانوا يتمنون أن تكتمل. ومن هنا لا تأتي العبارة الأخيرة كحكم عاطفي متعجل، بل كخلاصة طبيعية لكل ما سبق: فإذا كان الصماد قد مثّل في وعي محبيه القائد القريب، والرجل المنظم، والرمز المقاوم، وصاحب مشروع “يد تبني ويد تحمي”، فإن رحيله لم يكن رحيل شخص فقط، بل رحيل صورة من صور الوطن الممكن.

لذلك، حين وقف الناس في يوم تشييعه، لم يكونوا يودعون جسد قائد وحسب، كانوا يودعون مرحلة من الأمل، وملامح دولة كانت تحاول أن تولد من قلب النار، ومعنى وطنيًا اختلط فيه الدم بالبناء، والسيادة بالكرامة، والحزن بالوفاء. عندها فقط تصبح العبارة مفهومة في سياقها الكامل، لا بوصفها مبالغة، بل بوصفها النتيجة التي يقود إليها هذا المسار كله: يوم تشييع الصماد هو يوم تشييع الوطن.
سلام على الشهيد الرئيس … سلام على رئيس الشهداء … سلام على الوطن …… سلام على ابا الفضل النقي التقي العفيف الشريف في الاولين و الاخرين الى يوم الدين.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.