مآلات ميديا – مآلات محلية :
اغتيال وسام قائد ليست جريمة عادية يمكن اختصارها في خبر مقتضب عن اختطاف مسؤول ثم العثور على جثته بعد ساعات. فالاسم الذي انتهت حياته في عدن لم يكن مشهد إداري هامشي، بل كان قائمًا بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، إحدى أكثر المؤسسات حساسية في اليمن، حيث تلتقي أموال المانحين بمشاريع الخدمات، وتتقاطع حاجات الناس مع حسابات النفوذ، وتتحول التوقيعات الإدارية أحيانًا إلى مفاتيح ثقيلة للقرار والتمويل.

وسام قائد، اليمني البريطاني المنحدر من منطقة الأعروق في محافظة تعز ، والحاصل على تأهيله في بريطانيا، ليس مجرد موظف في مؤسسة تنموية. كان رجلًا يعرف المؤسسة من داخلها، ويفهم مساراتها، ويدرك طبيعة العلاقات التي تحيط بها، من المانحين إلى الفروع، ومن المشاريع إلى الصلاحيات، ومن الأولويات المعلنة إلى الحسابات التي تتحرك في الظل. ولهذا، فإن السؤال عن مقتله لا يبدأ من لحظة العثور على الجثة فقط، بل من موقعه نفسه: ماذا كان يعرف وسام قائد؟ ومن كان يخشى أن تبقى هذه المعرفة حيّة؟

تقول المعلومات المتداولة إن قائد فر من صنعاء في يونيو 2024، ثم كُلّف من قبل سلطات عدن في أغسطس 2025 بإدارة الصندوق، قبل أن يختطف في مايو 2026 من حي إنماء بعدن قرابة الثالثة عصرًا، ويُعثر لاحقًا على جثته في منطقة الحسوة. هذا التسلسل الزمني لا يقدم مجرد خلفية للخبر، بل يرسم مسار رجل انتقل من مرحلة إدارية شديدة التعقيد إلى موقع أكثر حساسية، ثم إلى نهاية دامية في مدينة يفترض أنها كانت محطة أمان لا مسرحًا للتصفية.

ومن هنا تبدو عدن هي مركز السؤال، بوصفها بيئة سياسية وأمنية تتزاحم داخلها أطراف نفوذ متعددة، وتتنافس فيها قوى مختلفة على القرار، والتمثيل، والموارد، ومفاصل المؤسسات. ففي هذه البيئة، لا يبدو الصندوق الاجتماعي مؤسسة تنموية فقط ، بل وعاءً كبيرًا للثقة الدولية والتمويل والمشاريع، ومن يقترب من مركز القرار فيه يقترب من شبكة واسعة من المصالح. ولذلك فإن موقع وسام قائد ليس موقعًا إداريًا باردًا، بل كان نقطة تماس بين المال التنموي والصراع على السيطرة.

هنا تبرز فرضية “الصندوق الأسود”. والمقصود بها ليس إطلاق اتهام جاهز أو بناء رواية قطعية قبل التحقيق، وإنما قراءة منطقية لموقع الرجل داخل مؤسسة شديدة الحساسية. فالمسؤول الذي يقترب من التمويل، والتوقيع، والمراسلات، والمانحين، والخلافات الداخلية، وتوزيع المشاريع، لا يحمل أوراقًا فقط، بل يحمل ذاكرة مؤسسية كاملة. يعرف من ضغط، ومن اعترض، ومن سهّل، ومن عطّل، ومن أراد أن يمد يده إلى المؤسسة، ومن حاول أن يعيد تشكيلها على مقاس مصالحه. في البيئات المستقرة، تُحمى هذه الذاكرة لأنها ضمانة لاستمرار المؤسسة. أما في بيئة مضطربة، فقد تتحول المعرفة نفسها إلى خطر على صاحبها.

ولذلك فإن السؤال الأهم لا يكون دائمًا: من أطلق الرصاص؟ بل: من كان يتضرر من بقاء وسام قائد؟ من كان يخشى موقعه أو ذاكرته أو قدرته على كشف ما لا ينبغي كشفه؟ من كان يرى فيه شاهدًا ثقيلًا على ترتيبات تدور حول الصندوق؟ ومن الذي وجد في تصفيته وسيلة لإغلاق ملف، أو قطع طريق، أو إرسال رسالة إلى آخرين يقتربون من المساحة نفسها؟

لقد كان الصندوق الاجتماعي للتنمية، طوال سنوات، أحد أهم المسارات التي تمر عبرها مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية والتدخلات المجتمعية. ومؤسسة بهذا الوزن لا يمكن أن تكون محايدة تمامًا في بلد تمزقه الانقسامات وتتنازع سلطاته على الموارد. فحيث توجد التمويلات، توجد الشهية للسيطرة؛ وحيث توجد الصلاحيات، تظهر معارك النفوذ؛ وحيث توجد التوقيعات، تصبح المناصب أكبر من أصحابها. ووسام قائد كان في قلب هذه الدائرة، لا على هامشها.

المفارقة المؤلمة أن الرجل الذي كان يفترض أن يحتمي بالمؤسسة وبصفته المهنية، انتهى ضحية لصراع لا تحمي فيه الصفة أحدًا. فقد انتقل إلى عدن في سياق بالغ التعقيد، وربما رأى فيها مساحة عمل واستقرار، لكنه وجد نفسه وسط بيئة أكثر اشتباكًا مما تبدو عليه من الخارج. كان ما تركه خلفه أهون مما انتهى إليه؛ فقد ظن أن عدن ستكون ملاذًا، فإذا بها تتحول إلى آخر محطة في حياته.

اختطافه في وضح النهار من حي إنماء، ثم العثور على جثته في الحسوة، يحملان رسالة لا يمكن التعامل معها كحادثة جنائية معزولة. فالخطف هنا لم يكن بحثًا عن فدية، والقتل لم يكن نتيجة اشتباك ، والضحية لم يكن مجهولًا. نحن أمام مسؤول في موقع حساس، جرى انتزاعه من فضاء مدني ثم إسكات صوته نهائيًا. وهذا وحده يكفي لطرح سؤال الدافع: لماذا القتل؟ ولماذا الآن؟ ولماذا هو تحديدًا؟

إن عبارة “مسلحون مجهولون” قد تصلح كلغة خبر عاجل، لكنها لا تكفي لفهم ما حدث. فالمجهول في اليمن كثيرًا ما يكون معروفًا في دوائر النفوذ، لكنه يظل مجهولًا في البيانات. والقاتل المباشر قد لا يكون سوى آخر حلقة في سلسلة أطول، تبدأ بالمصلحة، وتمر بالقرار، وتنتهي بالرصاص. لذلك لا يجب أن نبحث فقط عن اليد التي نفذت، بل عن العقل الذي استفاد، والجهة التي ارتاحت، والملف الذي أُغلق بموت الرجل.

هل كان وسام قائد يعرف أسرارًا؟ ربما. هل كان يملك وثائق أو معلومات حساسة؟ هذا ما لا يمكن الجزم به دون تحقيق. لكن المؤكد أن موقعه يجعله قريبًا من أسرار المؤسسة، ومن خرائط التمويل، ومن دوائر القرار، ومن الخلافات التي لا تظهر للرأي العام. وربما لم يكن الخطر في سر واحد، بل في تراكم معرفة طويلة تجعل صاحبها أرشيفًا حيًا. وعندما يصبح الإنسان أرشيفًا حيًا داخل بيئة مأزومة، فقد يتحول بقاؤه إلى عبء على من يريد إعادة ترتيب المشهد بعيدًا عن الشهود.

الأخطر أن الجريمة تضرب رسالة أوسع من شخص وسام قائد. إنها تقول لكل كفاءة مهنية تعمل في مؤسسة حساسة إن الخبرة لا تكفي للحماية، وإن الحياد لا ينقذ صاحبه إذا اقترب من المال والقرار، وإن المؤسسات حين تتحول إلى غنائم، يصبح من يعرف تفاصيلها معرضًا للخطر. وفي بلد يحتاج إلى كل إداري كفؤ وكل مؤسسة قادرة على العمل، يصبح اغتيال رجل بهذا الموقع ضربة لفكرة الدولة ذاتها، لا لشخص واحد فقط.

من هنا، لا ينبغي أن تُدفن القضية تحت عنوان أمني بارد. فمقتل وسام قائد ليس خبرًا عن جثة عُثر عليها في الحسوة فحسب، بل عنوان لانكشاف عميق في بنية السلطة والأمن والمؤسسات في عدن. إنه يكشف أن الصراع لم يعد فقط على الجبهات أو المناصب السياسية الكبرى، بل صار يمتد إلى المؤسسات التنموية التي يفترض أن تبقى خارج هذا النوع من الاشتباك. وحين يصل الرصاص إلى ذاكرة مؤسسة تنموية، فهذا يعني أن الصراع دخل أخطر مراحله.

وسام قائد ليس مجرد ضحية. كان سؤالًا متحركًا داخل مؤسسة ثقيلة، ثم صار بموته سؤالًا أكبر: ماذا كان يعرف؟ من كان يخاف من بقائه؟ ومن أراد للصندوق الأسود أن يُغلق قبل أن يُفتح؟ هذه الأسئلة لا تقدم حكمًا نهائيًا، لكنها تضع الجريمة في موضعها الصحيح: ليست حادثة أمنية منفصلة، بل تصفية محتملة لرجل وقف عند تقاطع المال التنموي والنفوذ والقرار.

في النهاية، قد لا تكشف الأيام القريبة كل الحقيقة، وقد يبقى المنفذون في خانة “المجهولين” كما يحدث كثيرًا في اليمن. لكن ما لا ينبغي أن يبقى مجهولًا هو معنى الجريمة. لقد ابتلعت عدن رجلًا كان يظن أنه يستطيع أن يعمل من داخل مؤسسة تنموية كبرى وسط صراع محتدم، فإذا به يكتشف، متأخرًا وبأقسى طريقة، أن من يقترب من مفاتيح المال والقرار في زمن الفوضى لا يحتاج إلى خصومة معلنة كي يُقتل؛ يكفي أن يعرف أكثر مما ينبغي، أو أن يكون شاهدًا على ما لا يريد الآخرون أن يُرى.

ولهذا، فإن السؤال الذي سيظل يطارد القضية ليس فقط: من قتل وسام قائد؟ بل: ماذا كان في صندوقه الأسود حتى صار الصمت عليه ضرورة لدى من قرروا التخلص منه؟


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.