مآلات ميديا – تحليلات:
عاد مصطلح “سرقة الغيوم” إلى واجهة النقاش العام في المنطقة، ليس من بوابة المختبرات العلمية أو مراكز الأرصاد فحسب، وإنما من بوابة وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت المطر، في لحظة سياسية مشحونة، إلى مادة للتأويل والصراع. فقد تداول ناشطون، بل وبعض الأكاديميين، رواية تقول إن الأمطار الغزيرة والأجواء الغيمية التي شهدها العراق وعدد من الدول العربية في أبريل جاءت بعد قيام إيران بتدمير بنية تحتية إماراتية مرتبطة بالاستمطار الصناعي، قيل إنها كانت تحرم دولًا عربية وإقليمية من حصتها الطبيعية من الغيوم والمطر. ومع أن هذه الرواية تبدو مثيرة وقادرة على جذب الجمهور، فإن قوتها الإعلامية لا تعني بالضرورة أنها حقيقة علمية أو واقعة مثبتة.
في ظاهر القصة تبدو الحبكة مكتملة: دولة تمارس الاستمطار، ودول تعاني الجفاف، ثم ضربة عسكرية مفترضة، يعقبها تغير في الطقس وعودة للأمطار. غير أن المشكلة تبدأ حين ننتقل من منطق الرواية إلى منطق الدليل. فالتزامن الزمني بين حدث سياسي أو عسكري وبين هطول المطر لا يكفي لإثبات علاقة سببية بينهما. وما لم توجد أدلة موثقة على وجود منشآت سرية قادرة على التحكم الإقليمي بالغيوم، ثم أدلة على تدميرها، ثم بيانات أرصاد تثبت أن توقفها غيّر مسار السحب والهطول في العراق أو غيره، فإن الحديث عن “تحرير الغيوم” يظل أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الحقيقة العلمية.
ولا يعني ذلك أن الاستمطار الصناعي وهم أو دعاية بلا أساس. فالإمارات لديها برنامج رسمي ومعلن لتعزيز الأمطار، تديره مؤسسات مختصة وتدعمه بحوث وتجارب وطائرات ومواد تُستخدم لتحفيز السحب المناسبة على الهطول. لكن الفارق كبير بين القول إن دولة ما تستخدم تقنية لتحسين فرص المطر داخل ظروف جوية محددة، وبين القول إنها تمتلك قدرة على احتجاز الغيوم وحرمان جيرانها من الأمطار. الاستمطار لا يصنع السحب من العدم، ولا يخلق بخار الماء، ولا يملك سلطة مطلقة على حركة الرياح والمنخفضات والرطوبة. هو في جوهره تدخل محدود في سحابة موجودة أصلًا، ضمن شروط دقيقة تتعلق بنوع السحابة ودرجة حرارتها ومحتواها المائي وحركة الهواء داخلها.
من هنا تصبح عبارة “سرقة الغيوم” أقوى من الناحية الإعلامية منها من الناحية العلمية. فهي تختصر ظاهرة جوية معقدة في مشهد بسيط: غيمة كانت ستذهب إلى العراق أو إيران أو الجزيرة العربية، فجاءت طائرات أو أجهزة ما وأسقطت ماءها في مكان آخر. لكن السحب لا تتحرك بهذا التبسيط، والمطر لا يُخزن في خزانات سماوية يمكن فتحها وإغلاقها بقرار سياسي. حركة الغيوم مرتبطة بمنظومات ضغط ورياح ورطوبة وتضاريس وحرارة سطح البحر، وهي أعقد بكثير من أن تُفسّر بمنشأة واحدة أو عملية استمطار منفردة.
اللافت أن الرواية المتداولة وجدت أرضًا خصبة لأنها جاءت في زمن يتصاعد فيه القلق المائي والمناخي في المنطقة. العراق يعاني منذ سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة، ودول عربية كثيرة تشهد اختلالًا في أنماط المطر، فيما الخليج يستثمر في تقنيات تحلية المياه والاستمطار والذكاء الاصطناعي المناخي. في مثل هذا السياق، يصبح من السهل أن تتحول كل غيمة إلى سؤال سياسي، وكل موجة مطر إلى دليل في نظر الجمهور على وجود “فاعل خفي” يعبث بالسماء.
لكن القراءة الرصينة تفرض التمييز بين ثلاثة أمور: وجود تقنية استمطار حقيقية، ووجود قلق مشروع من آثارها العابرة للحدود، ووجود اتهام غير مثبت بأنها كانت تحرم دولًا عربية من المطر. الأمر الأول ثابت ومعلن، والثاني يستحق النقاش والرقابة والشفافية، أما الثالث فلا يزال بحاجة إلى أدلة قوية لا توفرها منشورات التواصل ولا المقاطع المتداولة ولا التصريحات غير الموثقة. فإثبات أن دولة “سرقت” الغيوم من دولة أخرى يتطلب سجلات تفصيلية للطلعات الجوية، وبيانات رادارية، وتحليلًا لمسارات الرياح، وقياسات مطرية قبلية وبعدية، ونماذج محاكاة تقارن بين ما حدث وما كان سيحدث لو لم تقع عمليات الاستمطار. من دون ذلك، يصبح الادعاء أقرب إلى الاتهام السياسي منه إلى الاستنتاج العلمي.
وفي حالة أمطار أبريل تحديدًا، فإن التفسير العلمي الأقرب عادة ما يبدأ من المنظومات الجوية نفسها: منخفضات، رطوبة قادمة من البحار، تيارات هوائية علوية، تفاوت حراري، وتغيرات موسمية قد تتعزز أحيانًا بفعل الاحترار المناخي. هذه العوامل يمكنها أن تفسر موجات مطر واسعة تمتد على أكثر من بلد، بينما يصعب تفسيرها بتوقف منشأة استمطار مزعومة في دولة واحدة. فالأمطار التي تشمل العراق أو إيران أو الخليج أو أجزاء من الجزيرة العربية لا تنشأ من قرار تقني منفصل، بل من شبكة واسعة من التفاعلات الجوية التي تتجاوز الحدود السياسية.
الأهم من ذلك أن الانجرار وراء رواية “تدمير مركز سرقة الغيوم” قد يحجب القضية الحقيقية التي تستحق النقاش: كيف تُدار تقنيات تعديل الطقس في منطقة شحيحة المياه؟ وما حدود الشفافية المطلوبة من الدول التي تمارس الاستمطار؟ وهل توجد آليات إقليمية لتبادل بيانات الرادار والأقمار الصناعية؟ وهل تُنشر سجلات كافية عن توقيت العمليات وموادها ومناطق تنفيذها؟ هذه الأسئلة أكثر جدية من سؤال: من سرق الغيمة؟ لأنها تنتقل بالنقاش من الاتهام إلى الحوكمة، ومن الشائعة إلى البيانات، ومن الخيال السياسي إلى المساءلة العلمية.
إن الخطر في قصة “سرقة الغيوم” لا يكمن فقط في احتمال عدم صحتها، بل في أنها تقدم للجمهور تفسيرًا مريحًا لمشكلة معقدة. فبدل مواجهة أسئلة الجفاف، وسوء إدارة المياه، والتغير المناخي، وضعف البنية التحتية، وتراجع الغطاء النباتي، يصبح من السهل إلقاء اللوم على طرف خارجي يسرق المطر. هذه الطريقة في التفكير قد تمنح الناس شعورًا مؤقتًا بالفهم، لكنها لا تساعدهم على بناء سياسات مائية أفضل، ولا على تطوير شبكات أرصاد أقوى، ولا على مساءلة الحكومات عن إدارة الموارد والبيئة.
ومع ذلك، لا ينبغي السخرية من قلق الناس. فحين يعيش المواطن العربي في بيئة تتغير فيها الفصول، ويتأخر المطر، وتشتد الحرارة، وتنخفض مناسيب الأنهار، ثم يسمع عن طائرات تستمطر السحب وتجارب لتعديل الطقس، فمن الطبيعي أن يسأل: هل يمكن أن يؤثر ذلك علينا؟ هذا سؤال مشروع. غير أن السؤال المشروع لا يصبح حقيقة إلا بالدليل. والفرق بين الوعي والخرافة أن الأول يطالب بالبيانات، بينما الثانية تكتفي بالحكاية.
ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس تبادل الاتهامات حول الغيوم، بل إطار إقليمي واضح للتعامل مع تقنيات الاستمطار وتعديل الطقس. فهذه التقنيات، حتى إن كانت محدودة، تمس موردًا طبيعيًا عابرًا للحدود. ومن حق الدول والمجتمعات أن تعرف متى تُنفذ العمليات، وأين، وبأي مواد، ووفق أي معايير سلامة، وبأي نتائج قابلة للقياس. كما أن من واجب الجهات الرسمية أن تتجنب الخطاب الدعائي الذي يضخم قدرة الاستمطار ويصوره كأنه حل سحري لأزمة المياه، لأن المبالغة في تسويق التقنية تفتح الباب لاحقًا للمبالغة في اتهامها.
في النهاية، قد تكون أكثر ما تكشفه قصة “سرقة الغيوم” ليس قدرة دولة على احتجاز المطر، بل قابلية الرأي العام لتصديق روايات كبرى حين تغيب الشفافية وتضعف الثقة بالمؤسسات العلمية. فالمطر، الذي كان يومًا حدثًا طبيعيًا تنتظره الحقول والناس، صار اليوم جزءًا من حرب الروايات. وحين تصبح السماء نفسها ساحة للتأويل، فإن المطلوب ليس أن نختار بين التصديق المطلق والإنكار المطلق، بل أن نتمسك بالمنهج: ما الذي ثبت؟ ما الذي لم يثبت؟ وما البيانات المطلوبة للحكم؟
الخلاصة أن الاستمطار الصناعي تقنية حقيقية لكنها محدودة ومشروطة، وأن القلق من آثارها يستحق النقاش العلمي والتنظيمي، أما القول إن إيران دمّرت بنية إماراتية كانت “تسرق الغيوم” فحوّل الطقس في أبريل إلى موجة أمطار عربية، فهو ادعاء كبير لا تسنده حتى الآن أدلة كافية. المطر في هذه القصة لم يعد مجرد ماء نازل من السماء، بل صار مرآة لزمن تختلط فيه السياسة بالمناخ، والعلم بالشائعة، والغيوم بحروب المعنى. وبين من يروّج للاستمطار كأنه سيطرة على السماء، ومن يصوره كأنه جريمة عابرة للحدود، تبقى الحقيقة أكثر تواضعًا: يمكن للإنسان أن يحفز بعض السحب، لكنه لم يثبت بعد أن أحدًا يستطيع سرقة السماء.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















