مآلات ميديا – محلي :
يشهد اليمن اليوم امتداداً متواصلاً لحركة معبّرة في الشارع، تجمع بين التضامن الصارخ مع غزة وفلسطين، ورفع الصوت عالياً تأييداً لما وصفته السلطات بـ«الإنجازات الأمنية النوعية»، في وقت تتداخل فيه خطابات المقاومة والجبهة الداخلية مع انتقادات حادة لبعض الأطراف السياسية العربية والإسلامية، وعلى رأسها حزب الإصلاح. ففي محافظة إب، نظمت مئات الساحات والوقفات بعد صلاة الجمعة، تقدّمها كوادر محلية وأمنية وقيادات تعبوية، تأكيداً على أن الإنجاز الأمني في كشف ما يُوصف بـ«شبكات تجسس مرتبطة بغرفة استخبارات مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية» قد أصبح رافداً حيوياً لرصّ الجبهة الداخلية، وتعزيزاً لمعادلات الردع في مواجهة ما يُسمّى بـ«العدوان الأمريكي–الصهيوني».
وفي المحويت، وقف ممثلو السلطة المحلية والأجهزة التنفيذية والأمنية في ميادين المحافظة ومديرياتها، محطّين الإنجاز نفسه بمصاف «الصفعة الموجعة لأعتى أجهزة المخابرات العالمية»، ومؤكدين أن خيوط التآمر الاستخباراتي تئنّ أمام صلابة وعي الشعب وارتباطه الإيماني، فيما تُقابَل الأرقام المعلنة للإبلاغ عن التحركات المشبوهة برسالة مكتملة: تعاون الشعب مع الأجهزة الأمنية هو سلاح الجبهة الداخلية الأقوى. وتمتدّ هذه الصورة إلى الحديدة، حيث تُوصف النجاحات الأمنية المتتالية بـ«صمام أمان» للانتصارات الميدانية في معركة «الفتح الموعود والجهاد المقدس»، وتعزّز الروح التي تُعلن فيها «حارس البحر الأحمر» جهوزيتها لخوض المواجهة المباشرة مع قوى الاستكبار العالمي، جنباً إلى جنب مع محور المقاومة في لبنان وإيران، حتى تحقيق النصر.
أما في مديريات تعز ومأرب، حيث تظلّ أرض المعركة العسكرية والسياسية في مواجهة التحالف، فإن الوقفات الحاشدة تُضخّم من صورة «الشعب اليمني المؤمن» الذي يُواصل متابعة أحداث غزة بعين تتّقِن الجمع بين التضامن وحافة الاستعداد الميداني، مع إعادة التأكيد على أن الإنجاز الأمني في القبض على خلايا وعناصر تجسسية مرتبطة بالمخابرات الأمريكية والإسرائيلية، هو انتصار في معركة الوعي والتصدّي لتخطيط خبيث يهدف إلى اختراق الجبهة الداخلية وتعريض الوطن للاستهداف والانهيار. وتدخل أمانة العاصمة صنعاء في المشهد بذات الخطاب، حين تُرفع شعارات البراءة من الأعداء والخونة، وتُكرَّر أرقام الاتصال مع أجهزة الأمن والمخابرة، في محاولة لتحويل الفضاء الشعبي إلى حائط مراقبة يحيط بال违纪ات والتحركات المشبوهة، بينما تُعلق الأرقام المخيفة لشهداء وجرحى غزة كدليل تهمة على المجتمع الدولي الصامت، ومؤشر وحشي على استمرار العدوان.
في هذا السياق، يُسبغ البيان الختامي المشترك للوقفات في المحافظات المختلفة طبقة تحليلية على المشهد، فيربط بين ثلاثة محاور متداخلة: أولها حرب داخلية أيديولوجية وفكرية تُوصف بـ«الحرب الناعمة»، التي يستهدف من خلالها الأعداء شباب اليمن ومجتمعاتهم عبر أساليب التجنيد والفساد الأخلاقي، وثانيها إعادة بناء الجبهة الداخلية عبر المدارس الصيفية، ودورات التعبئة العسكرية، ودعم القدرات الدفاعية الصاروخية والجوية والبحرية، وثالثها التماسك في مسار «وحدة الساحات»، الذي يُحوّل التضامن مع غزة والضفة في قطاع غزة، ومع المقاومة في لبنان، ومع إيران، إلى خيار استراتيجي وليس مجرد هتافات تضامنية. وفي موازاة ذلك، يُصبّح بيان الوقفات موقف حزب الإصلاح، الذي أصدر بيان إدانة لما يُوصف بـ«مسرحية اغتيال» الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيصفه بـ«بيان خزي وعار وفضيحة»، ومخرج عن ثوابت الإسلام والمنهجية القرآنية، ليُقدّم رؤية متقاطعة تماماً مع ما يُعلن في ساحات إب وحجة والحديدة وتعز، من تأكيد على رفض الولاء والانحياز، وتمثّل اليمني في «الحلف الجديد» مع أعداء الإسلام.
بهذا الترتيب، تتحول ساحات الجمعة في اليمن إلى مساحة تحليلية حية، تُظهر محاولة متواصلة لربط النجاحات الأمنية المحلية بالمعادلات الإقليمية، ورفع يد الشارع عن الحياد والانكفاء، ودفعه إلى تجسيد مفهوم «الجبهة الداخلية المقاومة»، حيث يُصبح كل فرد عين مقاومة، وشبكة مراقبة، وحلقة في سلسلة مواجهة، بينما تُصاغ الأرقام المخيفة لشهداء وجرحى غزة كجزء من حجة سياسية تُضاف إلى خطاب يُعيد تشكيل هوية المقاومة اليمنية في زمن تتداخل فيه معارك غزة مع حسابات إيران، وحرب لبنان، ومستقبل التسوية السياسية في اليمن.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















