مآلات ميديا – متابعات :
أثار نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد موجة جديدة من القلق الإقليمي والدولي بعد وصفه مضيق هرمز بأنه “بمثابة القنبلة الذرية الإيرانية”، في إشارة إلى أن ورقة السيطرة على هذا الشريان البحري الحيوي باتت، من وجهة نظر طهران، أداة ردع تضاهي في تأثيرها أخطر الأسلحة الاستراتيجية. ويأتي هذا التصعيد الكلامي في لحظة حساسة، إذ لم يعد الخطاب الإيراني يكتفي بالتلويح بقدرة الإغلاق أو التعطيل المؤقت، بل انتقل إلى مستوى أكثر خطورة حين تحدث نيكزاد عن صدور أوامر عليا تقضي بألا يعود المضيق إلى “وضعه السابق”، بما يوحي بأن ما يجري لم يعد مجرد تهديد ظرفي مرتبط بسياق التوترات، بل محاولة لفرض معادلة دائمة على واحد من أهم الممرات النفطية في العالم.

وتكتسب تصريحات نيكزاد وزنها من أنها لا تأتي من هامش سياسي، بل من موقع مؤسسي حساس، ما يجعلها أقرب إلى قراءة لنبض مراكز القرار في طهران منها إلى مجرد خطاب تعبوي. فالرجل لم يكتفِ بنفي صفة الممر الدولي عن مضيق هرمز، بل أعاد تعريفه باعتباره “حقاً طبيعياً” لإيران، في تحول لغوي وسياسي يعكس نزعة واضحة نحو تحويل السيطرة الجغرافية إلى أداة سيادة مطلقة. وهذه اللغة تحمل رسالة مزدوجة: الأولى للخارج، بأن الملاحة في المضيق لن تبقى مفتوحة وفق قواعدها التقليدية، والثانية للداخل الإيراني، بأن الدولة تمتلك ما يكفي من أوراق القوة لتعويض غياب السلاح النووي الذي تكرر طهران نفي سعيها لامتلاكه.

الأكثر دلالة في كلام نيكزاد هو ربطه بين التقدم في تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% وبين “الكرامة”، وهو ربط يضع البرنامج النووي في إطار رمزي وسياسي يتجاوز الجانب التقني، ويضعه في قلب سردية القوة الوطنية. لكن المفارقة أن المسؤول الإيراني، وهو يؤكد عدم الرغبة في امتلاك قنبلة ذرية، يقدّم في الوقت ذاته مضيق هرمز بوصفه سلاح الردع الأقوى. وهنا تتضح معادلة الردع الإيرانية كما تسوّقها طهران: لا حاجة إلى السلاح النووي طالما أن الجغرافيا نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط هائلة تهدد أسواق الطاقة العالمية، وتربك حسابات القوى الكبرى، وتفرض على الخصوم التفكير مرتين قبل أي تصعيد.

وتنبع خطورة هذه الرسالة من كونها تمس أحد أكثر الممرات حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث تمر عبر مضيق هرمز نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقول بحراً، ما يجعل أي تهديد باستدامة القيود فيه غير قابلة للتعامل معها كتصريح عابر. كما أن الحديث عن “ألا يعود المضيق إلى وضعه السابق” يحمل في طياته إشارة إلى احتمال الانتقال من سياسة التهديد المؤقت إلى سياسة الأمر الواقع، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصدامات البحرية، ويزيد منسوب المخاوف لدى دول الخليج والولايات المتحدة والأسواق العالمية على حد سواء. وفي هذا السياق، تبدو تصريحات نيكزاد جزءاً من استراتيجية ضغط واسعة تستخدم الغموض المقصود والتصعيد اللفظي لإيصال رسالة مفادها أن إيران لا تكتفي بامتلاك القدرة على التأثير في الملاحة، بل تريد تحويل هذا التأثير إلى قاعدة دائمة في أي تسوية أو مواجهة مقبلة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.