مآلات ميديا – متابعات:
في خطوة مركّبة تعيد تشكيل الخريطة الاستراتيجية في الخليج، أقدم الكيان الصهيوني على نقل منظومة دفاع جوي متطورة تعتمد على الليزر، وتمكّن حالياً من رفع مستوى الردع أمام إيران وحلفائها في منطقة الخليج، وذلك في سياق تنامي التحالفات العسكرية غير المعلنة بينه ودول عربية سنية، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة. فأثناء الحرب الممتدة التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران في شباط/فبراير 2026، واجهت أبوظبي موجة هجوم غير مسبوقة من طهران، ضمت أكثر من 550 صاروخاً باليستياً وصواريخ كروز، إضافة إلى أكثر من 2200 طائرة مسيرة، ما حوّل الإمارات إلى أكثر الأهداف تعريضاً للضرب في المنطقة، وفق بيانات وزارة الدفاع الإماراتية.

وأمام هذا السيل من الصواريخ والمسيرات، لم تكتفِ الإمارات بمنظوماتها الدفاعية الأميركية التقليدية مثل “ثاد” و“باتريوت”، بل استدعت تعاوناً عميقاً مع الكيان الصهيوني، أخذ شكل إرسال منظومة “القبة الحديدية” لاعتراض الصواريخ الباليستية، إلى جانب بطاريات دفاعية أخرى، مع إرسال عشرات الجنود والضباط التابعين للكيان الصهيوني لتشغيل المنظومة وتنسيق عملية الاعتراض عن قرب. ويشكّل هذا الانتشار خارج نطاق الكيان الصهيوني لأول مرة في بلد عربي ذا خلفية جيوسياسية حساسة، مرحلة نوعية في تحوّل التطبيع مع الإمارات من تفاهمات سياسية واقتصادية إلى انسجام عسكري ميداني مباشر، يُعد اليوم أكثر حضوراً في مواجهة إيران من أي تحالف عربي تقليدي.

إلى هذا المشهد أضاف الكيان الصهيوني عنصراً جديداً أعمق تأثيراً: منظومة الليزر “Iron Beam” التابعة لشركة رافائيل، إلى جانب نظام كشف مسيّرات “Spectro” من إنتاج شركة إلبيت، وكلاهما وُصِفَ بكونهما “سلاحاً المستقبلياً” في الحروب الجوية. فهذه المنظومة الليزرية قادرة على تفجير الصواريخ قصيرة المدى والمسيرات في الهواء بتكاليف منخفضة جداً، إذ يُشار إلى أن كل اعتراض يُنفّذ بالليزر يكلف بضع دولارات فقط، مقابل مئات أو آلاف الدولارات للاعتراضات الصاروخية التقليدية، ما يفتح باب توسيع القدرة الدفاعية بلا زيادة مفرطة في التكلفة. وحين يتم نقل مثل هذه التقنية إلى الإمارات، فإنها لا تُعدّ مجرّد تجهيز عسكري، بل تشكّل خطوة نحو بناء “سقف دفاع جوي ذكي” يعتمد على طبقات متعددة من الرادارات، والصواريخ الاعتراضية، والليزر، يمكن تعميمها لاحقاً في دول خليجية أخرى تتشارك مع الكيان الصهيوني في خشية من التهديدات الإيرانية.

من الزاوية الاستراتيجية، تُقرأ هذه الخطوة كتوسّع غير معلن للكيان الصهيوني في الجهاز الدفاعي الخليجي، عبر توطين تكنولوجيا عسكرية متقدمة، ونقل خبرات عملية في إدارة الحروب الإلكترونية والجوية، تُستخدم أولاً ضد إيران، لكنها تُسجّل سابقة خطيرة في تقدّم الكيان الصهيوني العسكري في منطقة طالما رفضت حضوره بقوة. ويكفي الإشارة إلى أن الكيان الصهيوني زوّد الإمارات سابقاً بنظم دفاع جوي مثل “Spyder” و“Barak–8”، ودخل في صفقات تشمل نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، ما يُعدّ مقدمة لبناء صناعة دفاعية إماراتية تعتمد على الإطارات الصهيونية والこんにفة العسكرية الغربية. وحين تُضاف إليها اليوم منظومة الليزر ووحدة “القبة الحديدية” مع جنود تابعين للكيان الصهيوني على الأرض الإماراتية للمرة الأولى، يصير من الصعب اعتبار التحالف بين أبوظبي وتل أبيب مجرد “تطبيع اقتصادي”، بل يأخذ شكل تحالف دفاعي عملي يُعدّ بهدف إرساء منظومة ردع إقليمية موجهة صراحةً ضد طهران وحلفائها.

أما على صعيد المآلات، فإن ترسانة الليزر التابعة للكيان الصهيوني في الإمارات تفتح عدة طرق مستقبلية: أولها أن يصبح الخليج مختبراً لاختبار فاعلية الأسلحة الليزرية في الحروب الكبرى، وتحديد مدى قدرتها على مواجهة صواريخ ومسيرات أرخص ثمناً لكنها أكثر عدداً، خاصة مع توجه إيران وميليشياتها إلى اعتماد “العدوان الكمّي” بالمسيرات والصواريخ البالستية. وثانيها أن دولة الإمارات قد تتحول إلى نموذج مركزي لتصدير “النظام الدفاعي المتحد” بين أميركا والكيان الصهيوني وحلفائه الخليجيين، يُبنى على منظومة ليزرية مكمّلة للصواريخ الاعتراضية، بحيث يُطبَّق ما ينجح في أبوظبي لاحقاً في البحرين أو السعودية أو حتى دول غير خليجية تبحث عن حماية من الصواريخ. وثالثاً، فإن هذا التحالف الدفاعي يُعمِّق الانقسام في العالم العربي، إذ يُقدِّم لدول أخرى نموذجاً عملياً لاعتماد تكنولوجيا كيان صهيوني لحماية عواصمه، في الوقت الذي يجزم فيه خطاب المقاومة بأن هذه التقنية تُستخدم أولاً لقتل الفلسطينيين وتوسيع السيطرة الصهيونية في المنطقة.

في النتيجة، فإن نقل الكيان الصهيوني منظومة الليزر الدفاعية إلى الإمارات لا يُقرأ مجرد دعم تكتيكي في مواجهة هجوم إيراني مؤقت، بل يُعدُ جزءاً من مشروع أوسع لترسيخ توازن استراتيجي جديد في الخليج، يعتمد على شراكة ثلاثية بين واشنطن والكيان الصهيوني وأبوظبي، قائمة على تبادل التكنولوجيا، وتنسيق المخابرات، وبناء بنية دفاعية متعددة الطبقات، تمتد من الصواريخ الاعتراضية إلى الليزر إلى الطائرات المسيرة. ومع استمرار التوترات مع إيران، قد تصبح هذه الشراكة النموذج الذي تُقاس عليه باقي التحالفات العسكرية في المنطقة، بينما يُطرح على باقي الدول العربية سؤال محرج: هل تُكوَّن منظومة دفاعية إقليمية موحدة، أم تُقسم المنطقة إلى معسكرات تُزوَّد بعضها بالتكنولوجيا الصهيونية، وتُترك الأخرى تعتمد على نظم أقدم وأقل كفاءة في مواجهة صواريخ ومسيرات أرخص وأكثر عدداً.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.