مآلات ميديا – متابعات:
في رسالة مبطّنة من زحمة البروتوكولات والابتسامات الرسمية، بدت دعوة عمدة نيويورك، زهران ممداني، الملك البريطاني تشارلز الثالث بإعادة ماسة كوهينور إلى الهند كأنها لا تتعلّق بجوفاف قيراط واحد من الألماس، بل بتقرير مصير رمز بالكامل لفترة إمبراطورية مترامية الأطراف، لم ينتهِ أثرها بعد رغم انهيارها السياسي والاقتصادي. ممداني، الذي يحمل الأصول الهندية ويتولّى زمام مدينة أصبحت رمزاً لشبكة النفوذ الغربي في قلب الاقتصاد العالمي، اختار أن يطرح السؤال بطريقة مباشرة وعامة: لماذا لا يعيد التاج البريطاني إلى الهند ما يُعدّ من أبرز رموزها التاريخية، معلّقاً أن بقاء الماسة في لندن يُجسّد استمرار إرث فرض الاستعمار وتجاهله لحقوق الشعوب التي نُهبت ثرواتها في حقبة كانت قوانينها تُرسم بالسلاح لا بالحوار.
تُعد ماسة كوهينور، التي يُرجَع استخراجها إلى مناجم جولكوندا في الهند، من أقدم وأشهر الماسات في العالم، وتشير التقديرات إلى أن وزنها الأصلي في صورته الخام تجاوز 186 قيراطاً قبل تقطيعها، ثم تحوّلت إلى قطعة مركزية في تاج الملكة الأم داخل كنوز التاج البريطاني. انتقلت الماسة عام 1849 إلى يد التاج البريطاني عقب ضم منطقة البنجاب إثر حربَيّ سيخ، وفق ما يُوصف في وثائق التاريخ البريطاني بـ”هدية” ضمن شروط معاهدة لاهور التي أنهت الحرب، في حين تُقرأ هذه الوثيقة في السياق الهندي على أنها جزء من عملية نهب قسري مُلبَّس بقالب قانوني، حيث جُلِب الماس من طفل هو دوليب سينغ، آخر ملوك البنجاب، في ظل ضغطٍ عسكري مباشر واحتلال قائم. منذ ذلك التاريخ، بقيت كوهينور معلّقة في قلب التاج الملكي، وترافق كل ملك يضعها في مسيرة الاحتفالات، فيما تُقرأ في نيودلهي وبومباي وحيدر آباد كجرح مكشوف على ذاكرة استعمار وُضع عليه غطاء من التاج والبروتوكول.
على الرغم من أن الهند اعتُمِدت دولةً مستقلة منذ عام 1947، لم تنقطع المطالبات الرسمية والشعبية بإعادة كوهينور، إذ أدرجت الحكومة الهندية الماسة ضمن ملفات المطالبة بالاسترداد، متذرّعة بحقوق السيادة والتراث الوطني، بينما رفضت بريطانيا على مستوى القوانين الحالية أن تُعيد الماسة، متمسّكة بحجّة أن الملكية البريطانية حصلت عليها عبر معاهدات مُبرَّمة حين كان الهند جزءاً من الإمبراطورية، ما يُعتبر بالنسبة للسلطات البريطانية نوعاً من “تنازل رسمي” لا يرقى إلى مستوى السرقة القانونية. غير أن المؤرخين والسياسيين الهنود يصوّرون هذا المنطق بأنه استمرار لأسلوب “القانون الجانبي” الذي يُؤطر النهب في شكل قرارات وتوافقات مُقتَضَبة، في حين تُظهر شواهد أرشيفية أن ضغط الاحتلال البريطاني على سلطة البنجاب كان مُهيمناً، وبالتالي فإن أي “هدية” تُقدّم في ظل تهديد عسكري مباشر لا يمكن التعامل معها كصفقة مُستقلة بمعناها القانوني.
في هذا السياق، يكتسب تحرّك ممداني، الذي عبّر عن استعداده لطلب من الملك تشارلز الثالث إعادة الماسة في أي لقاء مباشر، وزناً إضافياً بسبب موقعه وخلفيته، فالعمدة الأمريكي ذي الأصول الهندية يُمثّل مركّباً من التعددية الثقافية العالمية والشرعية السياسية الغربية في آن واحد، ما يمنح مطالبه طبقة رمزية أعمق من مجرّد موقف نخبوية هندية. يرى محللون أن هذا التوقيت ليس مصادفةً، إذ يأتي في ذروة محاولات العائلة المالكة البريطانية تحسين صورتها في دول الكومنولث الآسيوية والإفريقية، في ظل صعود قوى جديدة في الشرق، وتوسع تيّار المطالبة بالعدالة التصحيحية للآثار التاريخية للاستعمار، من خلال إعادة الممتلكات الثقافية أو مراجعة الذاكرة الوطنية. في هذا السياق، يُقرأ تمّسك بريطانيا بكوهينور على أنه ليس مجرد حماية لقطعة جوهرة، بل كسرٍ لمسار رمزي مهم يمكن أن يُستخدم لاستمالة قلوب شعوب ديموغرافياً ضخمة، مقابل تكلفة مادية بسيطة أمام ما تُجنيه من سياحة وتأثير ثقافي حول متحف التاج الملكي في برج لندن.
من المنظور الاستراتيجي الأوسع، تتحول كوهينور من مجرد جوهرة مصفّاة إلى عنصر في معركة صورة ونفوذ بين إعادة تأهيل الهوية البريطانية وإبراز قدرة الدول الصاعدة على فرض مراجعات تاريخية جديدة. فبإمكان الحكومة البريطانية التذرّع بالقانون المحلي الذي يمنع تفكيك التاج الملكي، لكنها في المقابل تواجه ضغطاً متزايداً داخلياً من حملات المطالبة بإعادة كافة الآثار الاستعمارية، بما فيها المقاييس الأكثر إثارة للجدل مثل الألواح المسمارية في الشرق الأوسط والتماثيل واللوحات من أفريقيا وآسيا. على الجانب الآخر، تسعى الهند، كقوة اقتصادية وديموغرافية في طور النمو السريع، إلى استخدام قضايا مثل كوهينور كرافعة رمزية لتعزيز الهوية الوطنية وربط الماضي الاستعماري بمطالب العدالة التاريخية، في وقت تسعى فيه لتعزيز شراكاتها مع الغرب في مجالات التكنولوجيا والدفاع والتعليم، ما يُعقّد حسابات التنازلات السياسية.
هذا التفاعل بين المادي والرمزي يجعل سيناريو “الإعادة الفورية” غير مرجّح على المدى القصير، إذ يفضّل صناع القرار البريطانيون حتى الآن نهجاً وسطاً يتمثل في “الحوار حول المشاركة أو الإقراض الثقافي” للماسة، كما ظهرت مؤخراً إشارات من مسؤولين بريطانيين عن إمكانية “مشاركة” كوهينور مع الهند عبر دورات عرض مشتركة أو تبادل للفقرات المتحفية، ما يُفسّر كمحاولة للحفاظ على السيطرة الرسمية على القطعة، بينما يُقدَّم جزء من الاعتراف الرمزي بالحساسية التاريخية. وفي المقابل، يُنظر إلى هذا الخيار في الهند كحيلة لوجستية أكثر من كونها تسوية جوهرية، إذ يرتبط مطلب إعادة كوهينور في العقل الهندي الشعبي والسياسي بفاءة رمزية كاملة، لا تُستَكَمّل عبر تقسيم الوقت أو عرض متنقّل للماسة، بل عبر إعادتها إلى موطنها الأصلي كجزء من اعتراف مكتمل بعدالة الاستقلال وشروطه.
بالتالي، يُرجّح أن يظل التاج البريطاني متمسكاً بما يراه “حقاً تاريخياً” متّكئاً على قرارات القرن التاسع عشر، بينما يُعلن من وقت لآخر عن استعداد لفتح حوار محدود حول مشاركة أو عرض الماسة، لتحاشي إثارة صدمة رمزية كبيرة داخل الرأي العام البريطاني التقليدي المحافظ. لكن هذا الموقف يحمل في طيّاته احتمالاً حقيقياً بتعميق الفجوة الرمزية مع الهند ومع جهات رأي عام دولية ترى في رفض إعادة كوهينور علامة على استمرار رفض الاعتذار العميق عن استعمار طويل ومعقّد. وفي قراءة استراتيجية، قد يصبح تحرك ممداني، رغم محدوديته المباشرة، جزءاً من مسار أطول يُقسِّم الرأي العام في الداخل البريطاني، ويجعل مسألة كوهينور، وقضايا استرجاع الآثار الاستعمارية عموماً، موضوعاً لا يُناقش في المساحات الأكاديمية والمجتمعية فحسب، بل يحتل مساحة في السياسة الخارجية والدبلوماسية الثقافية، ليُصبح الماسة ليس مجرد “جبل النور” بل منصة اختبار لاختبار مدى قدرة الإمبراطورية السابقة على التخلّي عن رموز سيادتها الماضية في ظل صعود عوالم جديدة تناشد العدالة التصحيحية لا مجرد التصالح الخطابي.
إذاً، السؤال ليس هل يُعيد تشارلز الثالث كوهينور غداً، بل هل هيّئ الظروف المادية والسياسية والرمزية له أن يُقدِم على خطوة كهذه في لحظة تاريخية لاحقة، تحت ضغط جبهة متنامية من المطالبات الداخلية والخارجية، ومخاطر تَصوّر بريطانيا كدولة لا تزال ممسكةً برموز إرث مُستعمر، في وقت تسعى فيه الهند والقوى الآسيوية إلى اختبار مرونة الذاكرة الغربية أمام تطلّعات الشرق.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















