
مآلات ميديا – متابعات :
أشعلت تصريحات رئيس جهاز الموساد السابق تامير باردو موجة جدل واسعة داخل الأوساط الصهيونية والدولية، بعدما أدلى بكلمات غير مألوفة خلال زيارة للضفة الغربية المحتلة، مستحضرًا ذاكرة تاريخية ثقيلة حين قال إن ما شاهده أعاده إلى أحداث القرن الماضي المرتبطة بـالهولوكوست، معبرًا عن شعور عميق بالخزي والعار. هذه الشهادة، الصادرة عن شخصية أمنية كانت في قلب صناعة القرار، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد انفعال عابر، بل تبدو أقرب إلى مراجعة قاسية لمسار طويل من السياسات التي أعادت تشكيل الواقع في الأراضي المحتلة.
تأتي هذه التصريحات في سياق ميداني يتسم بتصاعد غير مسبوق في الضفة الغربية، حيث شهدت السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، تسارعًا ملحوظًا في وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي، إلى جانب تصاعد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون تحت حماية الجيش. وقد وثّقت تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش أنماطًا متكررة من الهدم والتهجير القسري، بما يعكس بنية قانونية وأمنية مزدوجة تمنح امتيازات لفئة على حساب أخرى تخضع لسيطرة عسكرية كاملة، الأمر الذي يعمّق الإحساس بعدم المساواة ويؤسس لواقع متوتر وقابل للانفجار.
في هذا الإطار، يعيد باردو طرح تحذيراته القديمة التي وجّهها إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن خطورة غياب حدود سياسية واضحة، معتبرًا أن استمرار هذا المسار يدفع نحو إعادة إنتاج أنماط تاريخية من التمييز، تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، من الشوارع المغلقة في مدن مثل الخليل إلى القيود المفروضة على الحركة، وهي ممارسات يرى أنها تقترب في جوهرها من أنظمة فصل عرفها التاريخ في سياقات أخرى. هذه المقارنة، رغم حساسيتها، لم تعد حكرًا على باردو وحده، بل تتردد في مواقف شخصيات أمنية سابقة، من بينها عميرام ليفين، ما يعكس اتساع دائرة القلق داخل النخبة الأمنية الصهيونية نفسها.
على المستوى الاستراتيجي، تكتسب هذه المواقف دلالات أعمق، إذ تكشف عن تصدع داخلي آخذ في الاتساع بين تيارات تدفع نحو الضم الفعلي للضفة الغربية، كما تجلى في قرارات الكابينت الأخيرة مطلع عام 2026، وبين أصوات أخرى تحذر من أن هذا المسار يقوّض الأسس التي قامت عليها الدولة، ويدفع بها تدريجيًا نحو نموذج يفقد شرعيته الدولية. هذا التحول، إن استمر، قد يضع القيادات السياسية والعسكرية تحت طائلة المساءلة القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية، في ظل تزايد الحديث عن انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي.
أما على صعيد المآلات، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ فالتصعيد في الضفة الغربية، المتزامن مع حرب مستمرة في غزة دون أفق استراتيجي واضح، يسهم في تغذية دوائر العنف ويعزز من حضور الفاعلين غير التقليديين، كما يدفع نحو مزيد من العزلة الدولية، خاصة في ظل مواقف داعمة لسياسات الضم صدرت عن شخصيات سياسية بارزة مثل دونالد ترامب. وفي الداخل، يتزايد القلق من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى تحولات بنيوية عميقة، سواء عبر تغييرات سياسية حادة أو من خلال تفجر صراعات داخلية تهدد تماسك المجتمع ذاته داخل الكيان المحتل.
في المحصلة، تكشف تصريحات باردو عن أزمة تتجاوز حدود السياسة اليومية لتلامس جوهر الهوية والقيم، حيث لم يعد التهديد يُقاس فقط بما يأتي من الخارج، بل بما يتآكل من الداخل، في لحظة يختبر فيها الكيان المحتل قدرته على التوفيق بين القوة والأخلاق، وبين الأمن والشرعية، وهي معادلة تبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















