مآلات ميديا – متابعات :
في لحظة إقليمية مشحونة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد، تجد دول الخليج نفسها أمام اختبار قاسٍ لمعادلة طالما روّجت لها: الاستقرار مقابل النمو. فالتصعيد غير المسبوق المرتبط بالحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم يبقَ محصورًا في نطاق المواجهة المباشرة، بل امتد ليضرب القلب الحيوي للاقتصادات الخليجية، متمثلًا في شريان الطاقة العالمي، مضيق هرمز، الذي تحوّل من ممر تجاري إلى ورقة ضغط جيوسياسية عالية الكلفة.
تداعيات هذا التحول ظهرت سريعًا وبصورة مركبة؛ إذ لم تعد المسألة مجرد تهديد نظري لإمدادات النفط والغاز، بل واقع ميداني انعكس على توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، وإعلان حالات القوة القاهرة في عدد من الدول المنتجة، إلى جانب أضرار مباشرة طالت البنية التحتية للطاقة، وهي أضرار مرشحة لتمتد آثارها لعدة أشهر، ما يضع خطط التعافي الاقتصادي أمام اختبار زمني مفتوح. وفي موازاة ذلك، تعرضت الصورة الذهنية لدول الخليج، التي بُنيت بعناية على مدار عقود باعتبارها بيئة آمنة للاستثمار والسياحة، إلى اهتزاز واضح، تجلّى في تراجع النشاط السياحي وانخفاض حركة النقل، وصولًا إلى إجراءات تقشفية داخل بعض القطاعات الخدمية، مثل فرض إجازات دون راتب وخفض الأجور.
هذه المؤشرات لا تعكس فقط صدمة ظرفية، بل تكشف هشاشة نسبية في نموذج اقتصادي اعتمد، رغم محاولات التنويع، على استمرارية تدفق الطاقة عبر مسارات آمنة. فإغلاق أو حتى تهديد مضيق هرمز يسلط الضوء على مفارقة استراتيجية: دول استثمرت بكثافة في تنويع اقتصاداتها، لكنها لا تزال رهينة جغرافيا سياسية معقدة. وحتى البدائل اللوجستية التي طورتها بعض الدول، كخطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، تبقى محدودة القدرة أمام حجم الصادرات الإجمالي، ما يعني أن أي اضطراب ممتد يعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية من جديد.
في هذا السياق، تتعاظم حالة عدم اليقين المرتبطة بالمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران، وهي مفاوضات تدور حول ملفات حساسة كالتخصيب النووي وأمن الملاحة، دون أن تقدم حتى الآن ضمانات واضحة لمعالجة المخاوف الخليجية الأساسية. فالمعضلة لا تكمن فقط في إغلاق المضيق، بل في احتمال تحوله إلى أداة ضغط دائمة، تمنح طهران قدرة غير مباشرة على التأثير في اقتصادات المنطقة. هذا السيناريو، الذي يصفه بعض الباحثين بأنه أقرب إلى “حق نقض اقتصادي”، يضع دول الخليج أمام واقع استراتيجي جديد يتجاوز الحسابات التقليدية للأمن والدفاع.
الأكثر تعقيدًا أن هذه الدول، رغم كونها في مرمى تداعيات الصراع، تبدو محدودة التأثير في مسار المفاوضات الكبرى. فالعلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة لم تترجم إلى قدرة حقيقية على توجيه قراراتها، في وقت لا تظهر فيه إسرائيل، الشريك العسكري الرئيسي لواشنطن في المواجهة، كطرف قابل للضبط ضمن أي تسوية محتملة. هذا التهميش النسبي يطرح تساؤلات عميقة حول موقع الخليج في معادلة الأمن الإقليمي، ومدى قدرته على حماية مصالحه في بيئة تتزايد فيها الفجوة بين من يدفع الكلفة ومن يصنع القرار.
في المقابل، تكشف مواقف دول الخليج نفسها عن تباينات داخلية في قراءة المشهد؛ إذ تتجه بعض الدول نحو تشديد شروطها تجاه إيران، فيما تفضّل أخرى دعم مسارات الوساطة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا التباين، وإن كان مفهومًا في سياق اختلاف مستويات التهديد، إلا أنه قد يحدّ من قدرة مجلس التعاون على بلورة موقف موحد يعزز ثقله التفاوضي.
ومع امتداد أمد الأزمة، تتجه الأنظار إلى السيناريوهات الأسوأ، حيث لا يقتصر الخطر على استمرار إغلاق مضيق هرمز، بل يمتد إلى احتمالات استهداف أوسع للبنى الاقتصادية، أو اعتماد استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تقوم على ضربات متقطعة تكرّس حالة عدم الاستقرار. في مثل هذا السياق، تصبح كلفة الانتظار أعلى من كلفة الحسم، وتتحول كل يوميات الاقتصاد، من حركة الطيران إلى استقرار الوظائف، إلى مؤشرات حساسة على عمق الأزمة.
في المحصلة، لم تعد دول الخليج تواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها بأدوات مالية أو سياسات تحفيزية، بل اختبارًا استراتيجيًا يمس جوهر نموذجها التنموي. فالمعادلة التي كانت تقوم على استثمار الاستقرار لتحقيق النمو، تواجه اليوم معادلة معاكسة: إدارة عدم الاستقرار للحفاظ على الحد الأدنى من النمو. وبين هاتين المعادلتين، يتحدد مستقبل الخليج الاقتصادي، ليس فقط بقدراته الذاتية، بل أيضًا بمدى قدرته على إعادة تموضعه في خريطة توازنات إقليمية ودولية تتغير بوتيرة غير مسبوقة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















