م. فؤاد ابوراس – مآلات ميديا :
في زمنٍ تُخاض فيه الحروب بالسرديات بقدر ما تُخاض بالصواريخ، يطلّ اسم الدكتور حسن أحمديان بوصفه واحدًا من أبرز الأصوات الإيرانية التي تحاول ضبط رواية طهران عن نفسها في مرآة الإقليم والعالم. أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، وباحثٌ يتنقّل بين قاعات الدرس ومنصات البحوث وشاشات الفضائيات، حتى صار وجهًا مألوفًا في كل نقاشٍ عن إيران والحرب والردع والمستقبل المفتوح على احتمالات متعددة.
لا يظهر أحمديان في المشهد فجأة؛ خلف هذا الحضور الإعلامي المكثّف مسارٌ أكاديمي بدأ من الفلسفة في جامعة تبريز، حيث تخرّج في مرحلة البكالوريوس، قبل أن ينتقل إلى جامعة طهران ليتخصّص في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه. هذا الانتقال من الفلسفة إلى دراسات المناطق ترك أثره الواضح على أسلوبه؛ فخلف كل جملة سياسية حادّة يبرز ميلٌ إلى التنظير، وإلى تركيب المشهد ضمن إطارٍ مفاهيمي تتداخل فيه قضايا الأمن والهوية والردع في آن واحد. ومن هنا يمكن فهم حضوره داخل الجامعة، حيث يشغل منصب أستاذ مساعد، ويُقدَّم لطلابه كباحثٍ يدرّس ما يكتبه ويكتب ما يدرّسه، في تداخلٍ مستمر بين قاعة المحاضرات وصفحات الدوريات العلمية، وهو ما يفسّر قدرته على الانتقال بسلاسة بين اللغة الأكاديمية واللغة الإعلامية دون أن يفقد خيطه الناظم: الدفاع عن رؤية طهران للعالم.
هذا المسار لم يبقَ محصورًا في الإطار المحلي؛ إذ اتسع ليشمل تجربة غربية لافتة حين التحق أحمديان بمركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في كلية كينيدي بجامعة جامعة هارفارد كزميل ما بعد الدكتوراه ضمن “مشروع إيران”. في ذلك السياق المختلف، كان عليه أن يقدّم إيران ليس بوصفها خطابًا داخليًا فحسب، بل كموضوع بحثي يخضع لمنهجية نقدية صارمة. وتزامن ذلك مع ارتباطه بمشروع “التشيع والشؤون العالمية” في مركز ويذرهيد للشؤون الدولية، ما وضعه في قلب نقاشات عالمية حول الشيعية السياسية وتحولات الدور الإيراني في خرائط النفوذ الإقليمي. هذه التجربة لم تُبعده عن السردية الإيرانية، لكنها منحته أدوات لغوية وتحليلية مكّنته من مجادلة خصومها بلغتهم، سواء في المؤتمرات الأكاديمية أو عبر المنصات الإعلامية.
وعلى مستوى الإنتاج العلمي، يتركّز اهتمامه في حقلٍ بالغ الحساسية يتعلق بكيفية تحرك إيران في بيئة شرق أوسطية مضطربة، وكيف تفهم علاقة الحرب بالردع والهوية والقوة الناعمة. في مقاله البارز “استراتيجية إيران في سوريا: تطور الردع” المنشور في مجلة International Affairs، يتتبع تحوّل الساحة السورية من موقع دعم لحليف إلى منصة لإعادة صياغة معادلة ردع إقليمية. وفي دراسة أخرى عن العلاقات الإيرانية-السعودية في عهد دونالد ترامب، يقرأ التصعيد ضمن منطق الانتقال من إدارة الخلاف إلى محاولة احتواء الطرف الآخر. كما يقدّم في أعماله الفكرية قراءة للسياسة الخارجية الإيرانية من خلال مفاهيم “الكرامة والحكمة والمصلحة”، بوصفها عناصر فاعلة في صناعة القرار إلى جانب الحسابات الأمنية.
غير أن الحضور الأوسع لأحمديان في الفضاء العربي لم يتشكّل عبر هذه الدراسات بقدر ما تكرّس من خلال ظهوره الإعلامي المتواصل، خاصة عبر قناة الجزيرة ومنصات أخرى. يتحدث بالعربية بطلاقة، ويجمع في أدائه بين هدوء الأستاذ الجامعي وحِدّة المدافع عن موقفه، كما بدا في نقاشاته مع محللين خليجيين حول الهجمات المتبادلة والحرب الراهنة على إيران. وفي بعض هذه الحوارات، يطرح اتهامات مباشرة لدول الجوار، معتبرًا أنها سهّلت استهداف إيران، ما يعكس انتقاله من موقع الشرح إلى موقع الاشتباك الخطابي. كما يربط في مقابلات أخرى بين الدور الإسرائيلي والدعم الأميركي، معتبرًا أن أي مواجهة استراتيجية تبقى رهينة هذا الغطاء.
ومع تصاعد الحرب وتحوّلها إلى حالة استنزاف، أخذ حضوره بعدًا أوسع؛ إذ لم يعد مجرد ضيفٍ متكرر، بل تحوّل إلى أحد الوجوه المعرّفة للسردية الإيرانية في الإعلام العربي، تُتداول تصريحاته على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية. هذا التحول وضعه في موقعٍ حساس بين كونه أكاديميًا يقدّم قراءة تحليلية، وفاعلًا إعلاميًا يسهم في تثبيت رواية دولة تخوض صراعًا مركّبًا. وقد ذهبت بعض المنصات، مثل موقع المدن، إلى اعتباره جزءًا من منظومة خطابية أوسع تعمل على تبرير السياسات الإيرانية وتقديمها ضمن إطار دفاعي.
هذا التداخل يفتح سؤالًا ملحًا حول حدود الفصل بين الباحث والمعلّق السياسي. ففي أبحاثه، يقدّم أحمديان قراءات مركبة لسلوك إيران، تتناول محددات القوة والضعف والسياقات التاريخية. أما في حضوره الإعلامي، فتبرز لغة أكثر حدة تميل إلى تثبيت الموقف، حيث يدافع عن البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي باعتبارهما ركائز أساسية لمنظومة الردع، ويرى أن أي تراجع فيهما يهدد قدرة بلاده على حماية نفسها. وبهذا يتحرك في منطقة رمادية تجعل التمييز بين التحليل الموضوعي والدفاع السياسي أمرًا معقدًا لدى المتلقي.
ورغم هذا الجدل، يصعب اختزال أحمديان في صورة المتحدث الدعائي؛ إذ يظهر رصيده الأكاديمي عبر منصات مثل Google Scholar وبوابة جامعة طهران باحثًا راكم عددًا معتبرًا من الدراسات في مجالات الأمن الإقليمي والسياسة الخارجية. كما يعمل باحثًا أول في “مركز الدراسات العلمية والاستراتيجية للشرق الأوسط”، ما يتيح له الاطلاع على مقاربات قريبة من دوائر صنع القرار. هذا العمق البحثي ينعكس في مقابلاته المطوّلة، مثل حواره مع Drop Site News، حيث يقدّم قراءة تفصيلية لآليات اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني، بعيدًا عن الإيقاع السريع للبرامج التلفزيونية.
ويبرز عامل اللغة بوصفه أحد أهم عناصر قوته؛ إذ لا يتحدث العربية بوصفها أداة ترجمة، بل بوصفها وسيلة تفكير وتواصل مباشر مع الجمهور. هذه القدرة تمنحه أفضلية واضحة في النقاشات الإعلامية، حيث تصل رسالته دون وسيط، وتُبنى حججه داخل اللغة ذاتها التي يتلقاها بها الجمهور. ومع حضوره على المنصات الرقمية، بما في ذلك قناته على يوتيوب، يوسّع نطاق تأثيره خارج اللحظة التلفزيونية، ويعيد تقديم أفكاره في صيغ أطول وأكثر تفصيلًا.
وفي سياق الحرب الراهنة، يقدّم أحمديان رواية ترى أن إيران سعت إلى إعادة تشكيل معادلة الردع، ودفع خصومها إلى إعادة حساباتهم قبل الإقدام على أي تصعيد جديد. ضمن هذه القراءة، تُفهم الحرب بوصفها اختبارًا لقدرة النظام على امتصاص الضربات والاستمرار في صراع طويل النفس يعيد رسم توازنات المنطقة. وبين هذا التصور والتحفظات عليه، يظل ثابتًا أن أحمديان تجاوز موقعه الأكاديمي التقليدي ليصبح فاعلًا في معركة السرديات، حيث يتقاطع البحث مع الخطاب، وتتداخل قاعة المحاضرات مع استوديو الأخبار في مشهد يعكس تحولات دور الخبير في زمن الحروب المفتوحة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















