مآلات ميديا – مسقط :
اختتم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ جولته الأخيرة من المباحثات في العاصمة العُمانية مسقط بعد لقاء مع رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام وعدد من المسؤولين العُمانيين المشاركين في جهود الوساطة بين الأطراف اليمنية والإقليمية. ورغم الإطار الرسمي لهذا اللقاء الذي أُعلن في بيانات الأمم المتحدة على أنه يهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لإطلاق عملية سياسية شاملة وإحياء جهود التسوية التي تشهد انسداداً ميدانياً منذ سنوات، إلا أن معطيات المشهد السياسي والخطاب اليمني تشير إلى أن اللقاء قد لم يفضِ إلى أي تغيير جوهري في المواقف الأساسية، ما دفع إلى توصيفه بوصف “العودة فارغ اليدين” من منظور ماكينة القرار السياسي في صنعاء.
في هذا السياق، يرى المراقبون أن هذه الجولة تأتي في سياق محاولة دبلوماسية سعودية–أمريكية أكثر اتساعاً، تسعى إلى تحييد الساحة اليمنية عن أي تصعيد محتمل في الجولات القادمة من الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة ودول المحور الذي تقوده إيران، وذلك عبر محاولة إعادة ترتيب تصورات الأمن القومي في المنطقة قبل أن تستقر معادلات الردع الجديدة التي فرضتها عمليات عسكرية واسعة في عدة جبهات. ويعكس هذا الاتجاه سعياً من الرياض وواشنطن إلى تفكيك ما بات يعرف في الخطاب اليمني والمقاوم بـ”وحدة الساحات“، أي المعادلة التي تربط الموقف اليمني بقضايا فلسطين ولبنان والعراق ومحور المقاومة ككل، بحيث لا يُنظر إلى أي تطور إقليمي بمعزل عن الموقف اليمني، ولا يُفصل الدور اليمني عن بقية الجبهات في مواجهة المشروع الأمريكي–الصهيوني في المنطقة.
ويرى مراقبون أن إشارة السيد عبدالملك الحوثي في خطابة الاخير حول “العروض الإغرائية” التي رفضت سابقاً، وقبلها مؤخراً، مقابل عدم التدخل في الشؤون الأمريكية أو التزام الحياد في مواجهة ما يُسمى بـ”مشاريعها في المنطقة“، يحمل في طياته قراءة تحليلية واضحة: أن المملكة العربية السعودية تطرح، عبر مسار دبلوماسي متعدد المراحل، حزمة تسوية محتملة للملف اليمني، تتضمن ترتيبات أمنية واقتصادية وسياسية، على أن يُقايضها الطرف اليمني بقبول تفكيك معادلة وحدة الساحات، وتحويل اليمن إلى ساحة محايدة نسبياً ضمن التوازن الإقليمي الجديد. غير أن هذه المقاربة تصادف لدى صنعاء واسع النخب السياسية والدينية مانعاً وجودياً، إذ يُنظر إلى وحدة الساحات اليوم ليس مجرد خيار استراتيجي، بل جزء من الهوية الإيمانية والانتماء الديني الذي بُنيت حوله مسيرة ثورة 21 سبتمبر ومشروع المقاومة، بحيث يُعتبر التخلي عنها نوعاً من المساومة على الدين ذاته، وما يترتب على ذلك من خزي وعار في الدنيا وعذاب مرتقَب في الآخرة وفق التوصيف الديني الذي يتبناه الخطاب اليمني المقاوم.
هذا التقابل بين رؤية سعودية–أمريكية تسعى إلى اخراج اليمن من شبكة الجبهات المتداخلة للصراع، ورؤية يمنية ترى في وحدة الساحات مكوناً مركزياً للهوية والمقاومة، يفسر تجاهلاً نسبياً للنتائج المعلنة في مسقط، ويشير إلى أن المبعوث الأممي يجد نفسه في موقع وسيط يحاول التوفيق بين طرفين لا يتقاسمان فقط مناطق النفوذ، بل أيضاً رؤى مختلفة تماماً عن مكان اليمن في النظام الإقليمي. ومع تعاظم التجمعات الشعبية في صنعاء والمحافظات تحت شعار تأكيد وحدة الساحات مع فلسطين ولبنان ومحور المقاومة، تصبح أي خطوة تُقدم في صورة حل تسوية بدون تسوية للقضية الفلسطينية وتفكيك بنية التحالفات الأمريكية–الصهيونية في المنطقة، مهدَّدة بأن تُقرأ في الداخل اليمني كمحاولة تصفية المشروع الجهادي التحرري أكثر من كونها مبادرة تسوية سياسية نزيهة.
في المحصلة، يمكن القول إن جولة مسقط الأخيرة لم تُغير المعادلة الأساسية: صنعاء تريد تضمين وحدة الساحات في أي تسوية مقبلة، وترفض الفصل بين ملف اليمن والصراع الإقليمي، بينما السعودية وواشنطن تبحثان عن صياغة تضمن استقرار الخليج دون تضمين كامل لحسابات المقاومة الإقليمية، وهو ما يُبقي على المبعوث الأممي حائراً بين مطالب محلية لا تقبل التنازل، وضغوط إقليمية ترفض الالتزام بالثوابت التي يُدرك اليمنيون أنها ستُنظر إلى أي تراجع عنها كـ”خيانة دينية“ وسياسية في آن واحد.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.