afp 20250325 37r62gf v1 highres armeniairandiplomacy e1743921061144 640x400
image

م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا :

تخيّل أنك دخلت اجتماعًا مهمًا: جهة تريد منك “تنازلًا بسيطًا”، وأنت تعرف أن هذا “البسيط” قد يفتح بابًا كبيرًا لاحقًا. ترفع صوتك؟ تتكلم كثيرًا؟ تستعرض حججك؟

كتاب «قوة التفاوض: مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية» يقول لك باختصار: كل هذا قد لا ينفع إن لم تكن قد جهّزت قوتك قبل أن تجلس على الطاولة. مؤلفه عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني الذي يكتب من خبرة طويلة في ملفات سياسية حساسة، لذلك لا يقدّم درسًا نظريًا جافًا، بل يقدّم طريقة تفكير: كيف تُبنى القوة قبل التفاوض، وكيف تتحول إلى مكسب أثناءه.

السؤال الذي يطرحه الكتاب من البداية لا يشبه أسئلة “كتب التنمية البشرية”: ليس “كيف تربح كل شيء؟” بل سؤال أقرب للواقع: كيف يصمد طرف يبدو أضعف على الورق، وأحيانًا يخرج بنتيجة محترمة؟

أول ما يفعله الكتاب أنه ينزع عن التفاوض صورته الشائعة: ليست معركة كلام، ولا مباراة ذكاء لغوي، ولا جلسة تُحسم بمن يرد بسرعة. التفاوض عنده عملية طويلة مثل بناء بيت: إذا كان الأساس ضعيفًا فلن تنفع الزخارف. لذلك يضع التحضير في قلب الموضوع: أن تعرف الملف جيدًا، أن تفهم الطرف الآخر وما الذي يريده فعليًا، أن ترتب أهدافك، وأن تعرف مسبقًا أين تتشدد وأين تناور.

وهنا تظهر فكرة بسيطة لكنها مهمّة: المرونة لا تعني أنك “تفرّط”. المرونة تعني أن تغيّر الطريق دون أن تغيّر وجهتك. أحيانًا لا تقول “لا” مباشرة، بل تقول “إذا أردتم هذا، فلدينا بديل آخر يحقق الهدف دون أن يضرب مصالحنا”. بهذه الطريقة لا تعطي خصمك نهاية الحديث من أول دقيقة، ولا تتركه يحوّل النقاش إلى سؤال واحد: “نعم أم لا؟”.

ثم ينتقل الكتاب إلى نقطة يخطئ فيها كثيرون: يظنون أن القوة في التفاوض هي القوة العسكرية أو المال فقط. بينما يذكّرك أن القوة لها أشكال كثيرة: المعلومة قوة، الوقت قوة، وحدة الصف قوة، وجود بدائل قوة، وحتى القدرة على تحمّل فشل الجولة دون انهيار قوة.

لهذا السبب يتعامل مع الزمن كأداة: التأجيل أحيانًا ورقة، والسرعة أحيانًا فخ، وطول المفاوضات ليس دائمًا دليل ضعف، كما أن اختصارها ليس دائمًا دليل نجاح. المسألة: من يمسك الإيقاع؟ ومن يتعب أولًا؟

ومن أجمل ما في الكتاب أنه يريك أن التفاوض ليس فقط “ماذا نقول؟” بل “كيف نرتّب الطريق؟”. من يلتقي من؟ في أي وقت؟ ما الذي يقال أمام الإعلام وما الذي يبقى في الغرف المغلقة؟ من هم الوسطاء؟ ومن هم الحلفاء؟ هذه التفاصيل—التي قد تبدو ثانوية—قد تغيّر وزن أي اتفاق. أحيانًا لا تربح لأن حجتك أقوى، بل لأنك صمّمت العملية بطريقة لا تسمح للطرف الآخر أن يحاصرك في زاوية واحدة.

ولا ينسى الكتاب عنصرًا مهمًا يغفل عنه كثير من المنظّرين: المفاوض نفسه. ليس روبوتًا. هو إنسان تحت ضغط، يتأثر بالجو وبالرسائل، وبالتصعيد الإعلامي، وبالانفعال، وبالارتباك. لذلك يلمّح إلى قيمة الهدوء والانضباط: أن تقول ما تريد دون أن تحرق الجسور، وأن ترسل إشارات واضحة دون استفزاز مجاني، وأن تحافظ على تماسك فريقك لأن الانقسام داخل وفدك هدية مجانية للطرف الآخر.

ومع أن الكتاب يخرج من تجربة سياسية محددة، إلا أن فكرته الأوسع تصلح لأي قارئ: التفاوض ليس فن الكلام… بل فن إعداد الموقف. وهو هنا يقدّم للقارئ درسًا يمكن استعماله حتى في حياتنا اليومية: في العمل، في الشراكات، في إدارة الخلافات، وفي أي موقف تحتاج فيه إلى “اتفاق لا يكسرك”.

في النهاية، لا يقول لك الكتاب إن التفاوض لعبة بلا أخلاق ولا يقول لك إن العالم وردي. يقول شيئًا واقعيًا: القوة ليست أن تربك خصمك، بل أن تعرف حدودك جيدًا، وتعرف حدود الطرف الآخر، ثم تمشي في المساحة بينهما بخطوات محسوبة. التفاوض الحقيقي لا يدور حول من يتكلم أكثر… بل حول من يخرج بنتيجة قابلة للحياة، ثم يحميها من أن تنهار في أول اختبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *