gemini generated image cws45ycws45ycws4

م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا :

هناك شخصيةٌ تُحيّر الناس أكثر مما تُغضبهم؛ لأنها لا تُخطئ خطأً واضحًا يُمسك به أحد، بل تتحرك داخل المؤسسة كأنها “مكتسبٌ إداري”، بينما يظل أثر الخدمة في حياة المواطن ثابتًا أو يتراجع. تراها تتقدّم سريعًا، تتصدّر المشهد، وتبدو دائمًا في حالة حركةٍ وظهور، وفي المقابل يبقى المواطن يدور في الدائرة ذاتها: معاملةٌ تتأخر، خدمةٌ تتعثر، ووعودٌ تتكرر. من هنا يبدأ اللغز: كيف يتسع رصيد شخصٍ ما كلما ضاقت النتائج على الناس؟

في علم الإدارة لا تُفهم هذه الظاهرة كعيبٍ شخصي فقط، بل كنمطٍ يتغذّى على السياسة التنظيمية وإدارة الانطباع والانتهازية المهنية؛ أي على تحويل العمل من إنتاج قيمة إلى إنتاج قبول، ومن قياس الأثر إلى قياس التصفيق. ينجح هذا النمط حين تضعف قواعد التقييم، وتختلط معايير الأداء، وتصبح التقارير أعلى صوتًا من الوقائع، فيتحول السؤال الحاكم إلى: من قال ومن ظهر؟ لا ماذا تحقق ومن أنجز؟ وفي هذه البيئة لا يحتاج صاحب النمط إلى اختلاق الواقع اختلاقًا؛ يكفيه أن يعيد “تأطير” الواقع، فيختار ما يلمع ويترك ما يفضح محدودية الأثر.

ولأن الواقع هو المختبر الأقسى، فإن الناس تكتشفه بتجاربها اليومية دون حاجة للمصطلحات. تُعقد اجتماعات ويُعلن “إطلاق” خدمة، ثم يعود المواطن ليجد المعاملة نفسها عالقة لأن أحدًا لم يقترب من جذور المشكلة؛ يُقال إن أزمة المياه “تمت معالجتها” لأن وفدًا زار والتقط الصور، بينما الناس ما زالت تنتظر الفرج، وما زالت الأسرة تحسب ما تبقى في خزان الماء قبل أن تحسب الكلام. يُرفع تقريرٌ طويل عن “تحسين الجودة” بينما الذي تحسّن هو لغة التقرير لا واقع الخدمة. هنا تفهم الإدارة معنى خلط النشاط بالنتيجة، ويفهم الناس المعنى نفسه بكلمة واحدة: ضجيج بلا فائدة.

ثم تتضح الخيوط أكثر حين نرى كيف يصنع “نجاحــــاته”. النجاح الحقيقي مكلـــــف: يتطلب مواجـــهة الواقع، وإزعاج الروتين، وتحمل مسؤولية التعثر قبل قطف الثمر. أما النجاح المزيّن فتُنتجه حِيَل المؤشرات: اختيار مؤشرٍ سهل، أو انتقاء جزء صغير من الصورة وتقديمه كأنه كل الصورة، أو نسبة بلا خط أساس، أو لغةٍ واسعة تتسع لكل شيء ولا تُثبت شيئًا. هكذا يصبح عدد الاجتماعات إنجازًا، وعدد المشاركين أثرًا، ووجود خطة تنفيذًا، وإرسال تعميم إصلاحًا، بينما المواطن يرى الشارع الذي “رُمّم” ثم ابتلعته الحفر في أول مطر، ويرى الشبكة التي “أُعيد تأهيلها” ثم بقي الانقطاع كما هو.

الأخطر أنه لا يكتفي بتزيين الإنجاز، بل يعيد تشكيل البيئة كي لا ينكشف التزيين. يفضّل الولاءات على الكفاءات، ويقرّب من يصفقون ويهمّش من ينجزون، فتتحول المؤسسة من فريق عمل إلى دوائر تتنافس على الرضا. وحين تصبح الترقية مكافأة للقرب لا للأثر، تصل رسالة صامتة للجميع: لا تتعب نفسك في الإصلاح، أتعب نفسك في التموضع. عندها تنسحب الكفاءات أو تصمت، وتتراكم قرارات مبنية على معلومات مُجمّلة، وتُستنزف الموارد في الشكل، ويزداد شعور المواطن بأن المشهد يُدار ليبدو جميلًا لا ليصبح جيدًا.

وعند نهاية القراءة ينكشف جواب اللغز: إنها شخصية “المسؤول المتسلّق”؛ الذي يصعد بالصورة والتموضع ويكبر رصيده كلما ضعفت المساءلة وغابت معايير الأثر. ولا يبدأ علاج هذه الظاهرة بمطاردة الأشخاص، بل بتقوية المناعة الإدارية: أن يُقاس الإنجاز بما تغيّر فعليًا في الخدمة لا بما كُتب عنها، وأن تُكافأ الحقيقة لا التجميل، وأن يُحمى من يقول “هنا فجوة” بدل معاقبته، وأن تصبح البيانات والتحقق أقوى من التصفيق. حينها فقط تتراجع مساحة التسلّق تلقائيًا، لأن المؤسسة قررت أن تفي بوظيفتها الأصلية: خدمة الناس بصدقٍ يستحق ثقتهم.

المقال لا يقصد شخص او جهة بل يناقش قضية …….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *