م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا :

لا تحتاج إلى إحصاءات لتدرك أن اليمن يخسر جزءًا ثمينًا من طاقته البشرية كل يوم؛ يكفي أن تراقب المشهد من حولك فتجد الكفاءات تختفي تدريجيًا من المؤسسات والأسواق والقطاعات الحيوية. طبيبٌ كان عماد قسمٍ كامل، مهندسٌ كانت خبرته تُستدعى عند كل عُقدة، مُعلّمٌ كان يصنع فرقًا في جيلٍ كامل، موظفٌ إداريٌ يحفظ إيقاع العمل ويمنع الفوضى من التمدد، وفنيٌّ ماهرٌ تصلح يداه ما تعجز عنه الأجهزة… ثم فجأة يتبدّل حديثهم: من مشروعٍ جديد إلى “وجهة”، ومن خطةٍ مهنية إلى “تهريب”، ومن حلمٍ داخل الوطن إلى فرصةٍ خارجه. هنا تبدأ القصة الحقيقية: قصة بيئة عملٍ لم تعد قادرة على إقناع الكفاءة بالبقاء، لا لأن الكفاءة تخلّت عن وطنها، بل لأن البقاء نفسه صار يحتاج تبريرًا يوميًا.
في علم الإدارة تُقاس بيئات العمل بمعادلة بسيطة في ظاهرها عميقة في نتائجها: ما الذي تقدمه المؤسسة للموظف مقابل ما تطلبه منه؟ المال جزء من المعادلة، لكنه ليس كل شيء؛ فالأمان، والعدالة، وإمكانية التطور، واحترام التخصص، ووضوح المسار، كلها عناصر تصنع “قيمة البقاء”. وعندما تتآكل هذه العناصر، يتحول قرار الرحيل من فكرةٍ مؤلمة إلى خيارٍ منطقي، ثم إلى موجةٍ عامة، ثم إلى نزيفٍ صامت لا يُكتشف حجمُه إلا عندما ترتبك الخدمات وتتراجع الجودة ويتسع الفراغ في المواقع الحساسة.
العدوان الظالم والحصار… كيف تُجفَّف فرص العمل من جذورها؟
العدوان الظالم الممتد لا يدمّر البنية التحتية فقط؛ بل يضرب “محرك الفرص” نفسه: الاقتصاد. فالاقتصاد يشبه الجسد؛ عندما تنقطع عنه التغذية، يضعف تدريجيًا. ومع اضطراب التجارة، وتعقّد الاستيراد، وتذبذب الوقود، وارتفاع تكاليف النقل، تتأذى سلاسل التوريد، ويتراجع الإنتاج المحلي، ويبهت الطلب، ثم يبدأ القطاع الخاص (وهو الخالق الأكبر للوظائف) في الانكماش. وما إن ينكمش القطاع الخاص حتى تختفي الوظائف الجديدة، وتتقلص الوظائف القائمة، وتتحول مهنة الأمس إلى عملٍ يومي، ومسار الحياة إلى شهرٍ يُدار بمنطق “كيف ننجو؟”.
هذا ليس وصفًا نظريًا؛ أثره يصل مباشرة إلى الإنسان. فعندما ترتفع الأسعار ويتآكل الدخل الحقيقي، يصبح الموظف محاصرًا بين التزامات لا ترحم ودخلٍ لا يكفي، ويبدأ العقل تلقائيًا في حسابات البقاء: كيف أضمن إيجار البيت؟ كيف أوفر علاجًا طارئًا؟ كيف أؤمّن تعليم الأطفال؟ وكيف أواجه مفاجآت الحياة دون هامش؟ هذه الأسئلة لا تترك مساحة كبيرة للأحلام، ومن يخسر الأمن المعيشي يبحث عنه حيثما وُجد؛ لذلك فإن “تجفيف فرص العمل” لا يعني إغلاق شركة فحسب، بل يعني تجفيف الشعور بأن قرار الهجرة أكثر من أي خطاب.
الدخل والرواتب… حين يفقد العمل وعده الأساسي
كانت الوظيفة (خصوصًا في القطاع العام) تمثل سياجًا للأمان عند كثير من الأسر. لكن تعثر انتظام الرواتب وتراجع قيمتها جعل الوظيفة تتحول من “استقرار” إلى “قلقٍ شهري”. وحين يصير العامل في التعليم أو الصحة أو الإدارة مضطرًا للعمل في وظيفتين أو ثلاث، أو للبحث عن دخلٍ إضافي يستهلك وقته وصحته، فإن “الاحتفاظ بالكفاءات” يصبح شبه مستحيل. هنا يبدأ الخارج في الظهور كحل عملي: ليس لأنه أجمل، بل لأنه أوضح؛ يعطيك عقدًا، وراتبًا منتظمًا، ومعيارًا مفهومًا، ومسارًا يمكن تخيله..
الدولة والمؤسسة… كيف تُحوِّل الاضطراب إلى طردٍ منظم؟
العدوان الظالم يفسر جانبًا كبيرًا من الأزمة، لكن القصة لا تكتمل دون النظر إلى دور الدولة بوصفها مؤسسات وسياسات وتنظيمًا لسوق العمل. عندما تتعدد المرجعيات وتتباين الإجراءات وتختلط القواعد، يتحول الاقتصاد إلى “جزر” منفصلة بدل أن يكون سوقًا موحدًا، ويصبح الاستثمار مخاطرة أكبر من أن تُحتمل، ويتحوّل صاحب المشروع من التفكير في التوسع إلى التفكير في النجاة. وفي علم الإدارة، بيئة الأعمال التي تفتقد قابلية التنبؤ تُفقد البلد ميزته الطبيعية: أن يكون مكانًا تُبنى فيه المشاريع لا تُرحّل منه.
ثم يظهر جانب أكثر حساسية: العدالة التنظيمية داخل المؤسسات العامة وشبه العامة. الكفاءة تستطيع تحمل ضغط العمل إذا شعرت أن الطريق مفتوح أمامها، وأن الأداء الجيد يترجم إلى تقدير وتطوير وفرص، وأن الإدارة تميّز بين من يعمل ومن يتزيّن بالعمل. لكن حين تتكرر صور معاكسة (فرص تُمنح بلا معيار مهني واضح، ومسارات تقرأ بغير منطق الكفاءة) يتآكل ما يسميه علماء الإدارة “العقد النفسي” بين الموظف والمؤسسة: ذلك الاتفاق غير المكتوب الذي يجعل الموظف يعطي أكثر مما يُطلب منه لأنه يثق أن المؤسسة سترد الجميل. وعندما ينكسر هذا العقد، تبدأ الكفاءة في التحول من العطاء إلى الحساب، ثم من الحساب إلى البحث عن مكانٍ آخر يعترف بها دون أن يطلب منها التنازل عن كرامتها المهنية.
النزيف الصامت… لماذا هذه الهجرة أخطر مما تبدو؟
هجرة العقول لا تحدث بضجيج ولا تُعلن نفسها في الأخبار اليومية، لكنها تظهر في تفاصيل الحياة: نقص في التخصصات، ضعف في الجودة، بطء في الإنجاز، وتراجع في الخدمة. لأن من يغادر لا يحمل شهادة فقط، بل يحمل تراكمًا معرفيًا وذاكرة مشاريع وقدرة على تدريب الآخرين وخبرة في حلّ المشكلات. وحين تغادر الخبرات تباعًا، يتحول المجتمع إلى من يملك الأدوات لكن يفتقد اليد التي تعرف كيف تستخدمها.
وهنا تتضح الكلفة الحقيقية: ليست خسارة فرد، بل خسارة “استثمار اجتماعي” تم بناؤه عبر سنوات. الطبيب الذي يغادر يترك وراءه فجوة لا تُملأ بسرعة، والمهندس الذي يسافر لا يُعوَّض بمجرد خريج جديد، والمعلم الذي يهاجر يترك أثرًا تربويًا كان قادرًا على تغيير مسارات طلاب كُثر.
لماذا يقرر الناس البقاء… ولماذا يقررون الرحيل؟
الإنسان لا يترك بلده بسهولة. البقاء يحتاج إلى ثلاثة أشياء: دخل يمكن العيش به، وأمان نسبي، ومستقبل يمكن تصوره. عندما تتوفر هذه العناصر يختار كثيرون البقاء حتى في الظروف الصعبة، وعندما تختفي تصبح الهجرة “خطة حياة”. والمفارقة أن كثيرًا من اليمنيين في الخارج يحملون رغبة العودة، لكن العودة ليست حنينًا وحده؛ إنها قرار يحتاج شروطًا: قواعد واضحة، مسار مهني، بغير منطق الكفاءة) يتآكل ما يسميه علماء الإدارة “العقد النفسي” بين الموظف والمؤسسة: ذلك الاتفاق غير المكتوب الذي يجعل الموظف يعطي أكثر مما يُطلب منه لأنه يثق أن المؤسسة سترد الجميل. وعندما ينكسر هذا العقد، تبدأ الكفاءة في التحول من العطاء إلى الحساب، ثم من الحساب إلى البحث عن مكانٍ آخر يعترف بها دون أن يطلب منها التنازل عن كرامتها المهنية.
النزيف الصامت… لماذا هذه الهجرة أخطر مما تبدو؟
هجرة العقول لا تحدث بضجيج ولا تُعلن نفسها في الأخبار اليومية، لكنها تظهر في تفاصيل الحياة: نقص في التخصصات، ضعف في الجودة، بطء في الإنجاز، وتراجع في الخدمة. لأن من يغادر لا يحمل شهادة فقط، بل يحمل تراكمًا معرفيًا وذاكرة مشاريع وقدرة على تدريب الآخرين وخبرة في حلّ المشكلات. وحين تغادر الخبرات تباعًا، يتحول المجتمع إلى من يملك الأدوات لكن يفتقد اليد التي تعرف كيف تستخدمها.
وهنا تتضح الكلفة الحقيقية: ليست خسارة فرد، بل خسارة “استثمار اجتماعي” تم بناؤه عبر سنوات. الطبيب الذي يغادر يترك وراءه فجوة لا تُملأ بسرعة، والمهندس الذي يسافر لا يُعوَّض بمجرد خريج جديد، والمعلم الذي يهاجر يترك أثرًا تربويًا كان قادرًا على تغيير مسارات طلاب كُثر.
لماذا يقرر الناس البقاء… ولماذا يقررون الرحيل؟
الإنسان لا يترك بلده بسهولة. البقاء يحتاج إلى ثلاثة أشياء: دخل يمكن العيش به، وأمان نسبي، ومستقبل يمكن تصوره. عندما تتوفر هذه العناصر يختار كثيرون البقاء حتى في الظروف الصعبة، وعندما تختفي تصبح الهجرة “خطة حياة”. والمفارقة أن كثيرًا من اليمنيين في الخارج يحملون رغبة العودة، لكن العودة ليست حنينًا وحده؛ إنها قرار يحتاج شروطًا: قواعد واضحة، مسار مهني،