م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا :
المقال يناقش فكرة عامه ومبدأ ولا يقصد شخص او جهه بالتحديد
بين مسؤولٍ يرى المنصب أمانة، وآخر يراه امتيازًا، تضيع الدولة… ويبدأ السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: من يخدم من؟
الفكرة في أصلها بسيطة جدًا: مسؤولٌ يحترم نفسه، يفهم أن المنصب تكليفٌ لا مكسب، وأن الكرسي ليس بوابة امتياز بل منصة خدمة. لكن الواقع لا يُدار بالنوايا وحدها، وهذا ما تقوله علوم الإدارة بوضوح: الإنسان يتأثر بما حوله، بالحوافز التي تُكافئه، وبالثقافة التي تحتضنه، وبالرقابة التي تردعه، وبالمعايير التي تُقاس بها النتائج. فإذا اختلت هذه العناصر، صار ترف المناصب نتيجة طبيعية لا استثناءً عابرًا.
في منطق الإدارة، ترف المناصب ليس مجرد “عيب أخلاقي” عند أفراد، بل خللٌ في الحوكمة. حين تختلط السلطة بالمصلحة، وتضعف المساءلة، ويصبح النفوذ أسرع طريق للترقي والوجاهة، تتحول المؤسسة من جهاز خدمة عامة إلى بيئة تنتج الامتياز وتدافع عنه. هنا يظهر انحراف الحوافز: يتعلم الناس ــ دون درس ــ أن الإتقان لا يكفي، وأن القرب أهم من الكفاءة، وأن الصمت أكثر أمانًا من قول الحقيقة. ومع تكرار المشهد، تصبح القاعدة غير المكتوبة أقوى من اللوائح المكتوبة.
ثم تتسع الفجوة بين المواطن والمؤسسة. المواطن يرى أن الخدمة تتراجع، بينما “المظاهر” تتقدم؛ يرى أن معاناته ثابتة، فيما رفاهية بعض المواقع تتزايد. وتفسير الإدارة لهذه الفجوة واضح أيضًا: عندما يغيب التقييم المستقل وتضعف الشفافية، تتكون فجوة معلومات تجعل من بيده القرار قادرًا على إدارة الموارد كما يشاء، لا كما يجب. فيتحول المنصب ــ تدريجيًا ــ إلى مساحة خاصة داخل مساحة عامة، ويصبح المال العام أقرب إلى غنيمة صامتة منه إلى مسؤولية معلنة.
الأخطر أن ترف المناصب لا يعيش منفردًا؛ يحتاج إلى بيئة تحميه. وهذه البيئة لها اسم في علم الإدارة: ثقافة تنظيمية منحرفة. تبدأ بتلطيف الأسماء: الرشوة “تسهيل”، والمحسوبية “معرفة”، والترف “هيبة”، والصمت “حكمة”. ومع الوقت يصبح الانحراف مألوفًا، ويصير الاعتراض عليه تصرفًا غريبًا يحتاج صاحبه إلى شجاعة مضاعفة. هنا لا يُهزم الحق لأنه ضعيف، بل لأن الكذب تدرّب حتى صار “طبيعيًا”.
وفي لحظة ما، ينتقل الخلل من كونه ممارسة إلى كونه خطابًا. يظهر من يطالب الناس ألا يفتحوا ملفات الداخل، بحجة أن ذلك “يشق الصف” أو “يخدم العدو” أو “يربك الأولويات”. تبدو الجملة للوهلة الأولى حريصة، لكنها عمليًا تُحوّل المحاسبة إلى تهمة، والنزاهة إلى تشويش، والشفافية إلى خطر.
وهنا تدخل المؤسسات في أخطر مراحلها: الصمت التنظيمي. حين يدرك الناس أن تكلفة الكلام أعلى من تكلفة السكوت، يختارون السلامة، ويستمر النزيف لأن الخوف صار حارسًا إضافيًا للخلل.
وما يزيد الجرح عمقًا أن تبرير الترف قد يلبس ثوب الوعظ، فتُستخدم القيم الكبرى لإعفاء الخطأ من النقد، ويُطلب من المواطن أن يبتلع الظلم تحت شعار “لا تثيروا القضايا الآن”. وهنا تلتبس الحدود بين حماية الدولة وحماية امتيازات داخلها؛ بين صيانة الجبهة الداخلية وبين تحصين الفساد من المساءلة. يصبح الأداء ثانويًا، بينما إدارة السمعة هي الأصل: المهم أن يبدو كل شيء متماسكًا، حتى لو كانت الأعطال تتكاثر تحت السطح.
ثم تأتي الحلقة التي لا يحب أحد الاعتراف بها: المجتمع نفسه قد يتحول إلى خط دفاع عن ترف المناصب. فهناك من يحلم بالوصول إلى المنصب لا ليحمل همّ الناس، بل ليذوق طعم النفوذ والمغريات، فيخشى أن يسقط النموذج الذي ينتظره. وهناك من ارتبطت معيشته بعلاقات غير نظيفة مع دوائر الامتياز، فإذا انضبطت المؤسسة انقطع مورد اعتاده. وبين الحلم والاحتياج، تنشأ شبكة مصالح واسعة تتغذى على بقاء الترف، وتخاف من أي إصلاح حقيقي لأنه يهدد “اقتصاد الظل” الذي تعايش معه كثيرون.
لهذا، لا يكون العلاج بتبديل الأسماء فقط، لأن الأسماء تتبدل والمنظومة إذا بقيت على حالها ستصنع نسخة جديدة في كل مرة. العلاج يبدأ من إعادة بناء قواعد اللعبة كما تعلمنا الإدارة: شفافية للمعلومة، رقابة مستقلة، تضارب مصالح مُعلن ومُحاسَب عليه، مؤشرات أداء تقيس الخدمة لا الضجيج، حماية للمبلّغين، وعدالة في التعيين والترقية، ونظام حوافز يكافئ الإنجاز لا الولاء. بهذه الأدوات تُردم الفجوة بين المنصب ومعناه، ويعود الكرسي إلى حجمه الطبيعي: وسيلة خدمة لا منصة امتياز.
وهنا يلتقي التحليل الإداري مع المعنى الوجداني العقائدي في نقطة واحدة لا تحتمل المراوغة: المنصب أمانة. العبث بها ليس خطأً وظيفيًا فقط، بل اعتداء على حقوق الناس وكرامتهم، وخذلان لمن ينتظرون دولة عادلة تحميهم لا تستنزفهم. وحين تُصان الأمانة في الداخل، تُبنى القوة في الخارج تلقائيًا؛ لأن المجتمع الذي يربح معركته مع نفسه، يصبح أصلب أمام أي خصم.
ترف المناصب ليس تفصيلاً، بل جرحٌ مفتوح. والدولة لا تموت دائمًا بطلقة من خارجها، بل قد تنزف بصمت من داخلها. لذلك يبقى السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: من يخدم من؟ ومن يدفع ثمن هذا الترف؟ وإذا كان المنصب قد صار امتيازًا عند البعض، فمتى يعود إلى صورته الأولى: تكليفًا ثقيلًا يحرس كرامة الناس؟