مآلات ميديا – متابعات :
يشهد الشرق الأوسط لحظة كثيفة بالتقاطعات السياسية مع انعقاد لقاء جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في سان بطرسبرغ اليوم، وهو لقاء يتجاوز في دلالاته طبيعته البروتوكولية إلى كونه مؤشراً على إعادة تموضع استراتيجي في قلب نظام دولي مضطرب. وقد عبّر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف عن ثقل هذا الاجتماع، مشيراً إلى أن أهميته لا تُقاس بمعايير اللحظة، بل بما يحمله من رسائل ضمنية في سياق تصاعد التوترات الإقليمية والدولية.
وصل عراقجي إلى روسيا ضمن جولة دبلوماسية سبقتها محطات في باكستان وعُمان، حاملاً رسائل سياسية متعددة المستويات، قبل أن يلتقي نظيره سيرغي لافروف تمهيداً للقاء الرئاسي. وقد تركزت المباحثات على ملفات شديدة الحساسية، من بينها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وترتيبات التعامل مع اليورانيوم المخصب، وأمن مضيق هرمز، إضافة إلى آليات التنسيق بشأن الحرب الإقليمية وتعقيدات التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل. اختيار المكتبة الرئاسية كموقع للقاء لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً بقدر ما عكس رغبة في إضفاء طابع استراتيجي هادئ على نقاشات ذات طابع صدامي في جوهرها.
ورغم غياب بيان مشترك فوري، فإن المؤشرات الأولية كشفت عن تقارب واضح في الرؤى. فقد وصف السفير الإيراني كاظم جلالي اللقاء بأنه تعبير عن “جبهة موحدة” في مواجهة الهيمنة الغربية، مع تأكيد على استمرار ما أسماه الجهد الدبلوماسي لحماية المصالح الوطنية. هذا الخطاب ترافق مع إشارات عملية إلى توسيع مجالات التعاون، سواء عبر دعم البرنامج النووي المدني، كما في محطة بوشهر، أو من خلال البحث في آليات للالتفاف على القيود والعقوبات، خصوصاً في المجال البحري.
في المقابل، بدت ردود الفعل الأمريكية محسوبة ومائلة إلى التحفظ. فقد أطلق الرئيس دونالد ترامب تصريحات حملت قدراً من التقليل من جدوى المسارات التفاوضية الطويلة، مشيراً إلى عدم رغبته في الانخراط في جولات تفاوضية “دون نتائج”، مع توقعاته بأن المواجهة مع إيران لن تطول. غير أن هذه التصريحات تتقاطع مع إجراءات ميدانية أكثر دلالة، تمثلت في تحذيرات لرعايا أمريكيين وتقليص الوجود الدبلوماسي في بعض دول المنطقة، وهو ما يعكس مستوى القلق داخل واشنطن من تعاظم التقارب الروسي الإيراني وإمكانية تحوله إلى رافعة تعرقل استراتيجيتها الإقليمية.
على المستوى الاستراتيجي، يبدو أن هذا اللقاء يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى، حيث تعمل موسكو وطهران على ترسيخ شراكة تتجاوز الثنائية التقليدية نحو نمط أكثر تعقيداً ضمن نظام متعدد الأقطاب. ويبرز في هذا السياق توظيف معاهدة الشراكة لتوسيع التعاون العسكري والاقتصادي، خاصة عبر ممرات النقل الدولية، مع دعم روسي يهدف إلى تعزيز قدرة إيران على امتصاص الضغوط الناتجة عن العقوبات والضربات السابقة. هذه الديناميات لا تقتصر آثارها على العلاقة الثنائية، بل تمتد لتطال خرائط النفوذ في ساحات مثل سوريا ولبنان واليمن، حيث تتقاطع المصالح وتُعاد صياغة أدوار الفاعلين.
غير أن هذا المسار يحمل في طياته مفارقة واضحة؛ فهو يفتح من جهة نافذة لإمكانية انخراط روسي أعمق في الوساطة، سواء في الملف النووي أو في الترتيبات الأمنية الإقليمية، مستفيداً من موقع موسكو كطرف قادر على التواصل مع جميع الأطراف، بينما يرفع من جهة أخرى منسوب التوتر، خاصة إذا قرأته إسرائيل كتحول يهدد توازن الردع القائم. كما أن محاولة فصل ملف مضيق هرمز عن الملف النووي قد تعقّد المشهد أكثر، نظراً لما يمثله المضيق من شريان حيوي لسلاسل الطاقة العالمية، ما يجعل أي تصعيد فيه ذا أثر يتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد الدولي بأسره.
الجدير بالذكر ان هذا اللقاء وفق ما يراه محللون هو خطوة محسوبة ضمن عملية أوسع لإعادة تعريف التحالفات ومراكز الثقل. روسيا تسعى لتكريس موقعها كفاعل مركزي في معادلة الشرق الأوسط، فيما ترى إيران في هذا التقارب فرصة لتعزيز هامش حركتها الاستراتيجية. وبين هذين المسارين، تتشكل ملامح نظام إقليمي جديد، تتداخل فيه فرص التهدئة مع احتمالات التصعيد، وتظل نتائجه رهناً بقدرة الأطراف على إدارة هذا التوازن الدقيق.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















