م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا :
ليس أخطر على الأوطان من أن تتحول الأزمات إلى مشهد مألوف، وأن يصبح الاختناق الاقتصادي خبرًا عاديًا في حياة الناس. الحصار واقع ثقيل لا يمكن إنكاره، لكن الأخطر منه أن يعتاد القرار على شرح الألم بدل إيقافه، وأن تُدار المعاناة بمنطق التبرير لا بمنطق التدخل. ما نكتبه هنا ليس لإدانة أحد ولا لفتح باب سجال، بل لتوسيع مساحة الفعل داخل القيود القائمة، لأن الوقت عاملٌ حاسم، وكل تأخير يرفع كلفة المعالجة على الناس وعلى الدولة معًا.
في أمانة العاصمة، وفي حجة والحديدة وصعدة وعمران وذمار وريمة و المحويت، لا نتحدث عن ضيق مؤقت، بل عن دورة حياة تُعاد كتابتها على وقع الفقد. فرص العمل تتآكل، دخل الأسرة يتراجع، والأسواق تتحرك ببطء كمن يسير على أرض رخوة. المشكلة لم تعد نقص مال فقط، بل خللاً في “حركة المال” نفسها: حين تضعف السيولة، يتراجع الطلب، فتتقلص التجارة، فتختفي الوظائف، ثم يعود الانكماش ليبتلع ما تبقى من السوق.
وفي قلب هذه الحلقة تقف حقيقة يعرفها الناس بأسمائها الصغيرة: بيت كان يعتمد على مورد ثابت فتصدع، وتاجر كان يدور برأس مال يومي فصار يحسب خطواته بحذر، وعامل كان يجد فرصة هنا وهناك فصار يبحث عن نصف فرصة. اتساع الفجوات التمويلية وتقلص مسارات الدعم المتاحة، مع تعقيد حركة التحويلات، زاد من جفاف السيولة. لكن التحدي الأكبر ليس في توصيف القيود، بل في تحويل الداخل إلى خطة تشغيل منظمة تُنتج دخلاً سريعًا وتحمي السوق، لأن الحصار يضغط من الخارج، بينما الإدارة هي التي تقرر حجم الخسائر في الداخل: هل تتضاعف أم تُحتوى؟
في صنعاء يظهر الاختناق في وجهه الحضري الصريح: ورش تقلص ساعاتها، محلات تخفض عمالتها، ومهن يومية تتحول إلى طوق نجاة. السؤال هناك لم يعد عن سعر سلعة بعينها، بل عن معنى القدرة الشرائية حين يصبح النقد نادرًا وحركته أندر. وفي عمران وذمار تختلط الصورة بين المدينة والريف: أرض تنتظر مدخلات، وتاجر ينتظر طلبًا، وسوق يتردد بين كلفة نقل مرتفعة ومستهلك يشتري الضروري فقط.
أما الحديدة فقصتها مختلفة في التفاصيل لكنها شديدة في النتيجة. محافظة تملك بوابات طبيعية لخلق دخل سريع عبر البحر والزراعة، لكن سلسلة القيمة تتكسر غالبًا عند نقاط بسيطة: تبريد غير كاف، تخزين ضعيف، نقل مكلف، وتسويق غير مستقر. الصياد لا يحتاج شبكة فقط، بل يحتاج ثلجًا وتبريدًا وطريقًا وسوقًا. والمزارع لا يحتاج أرضًا فقط، بل يحتاج ماءً وطاقة ومدخلات وتخزينًا يقلل الفاقد. حين تغيب هذه الحلقات، تُهدر الفرص في الطريق قبل أن تصل إلى موائد الناس.
وفي حجة وريمة و المحويت وصعدة، تصبح الأزمة أكثر التصاقًا بالأرض: مدرجات تحتاج صيانة، حصاد مياه صار ضرورة، وثروة حيوانية تعاني من كلفة الأعلاف واللقاحات. هنا قد تكون عبارة سيول أو طريق زراعي بسيط هو الفارق بين موسم يطعم الأسرة وموسم يثقل دينها.
هذه الصورة قد تبدو قاتمة، لكن تحويلها إلى مسار عمل ممكن إذا تخلينا عن وهم “المشروع الكبير المؤجل” وانتقلنا إلى فلسفة “التدخلات الصغيرة المتعددة”. وقد تبدو هذه التدخلات متواضعة أمام حجم الأزمة، لكنها مصممة عمدًا لتكون قابلة للتنفيذ في بيئة شحيحة الموارد. هي حلول لا تراهن على وفرة المال، بل على سرعة التنظيم، ووضوح الأولويات، وقابلية القياس. في الأزمات، ما لا يُنفذ بسرعة يتحول إلى وعد، وما يُنفذ ولو بخطوات صغيرة يصنع فرقًا متراكمًا.
ولكي لا تبقى الحلول عناوين عامة، فالبداية يجب أن تكون بترتيب واضح: ما يُشغَّل خلال 30 يومًا، ثم ما يتوسع خلال 90 يومًا، ثم ما يثبت أثره خلال 12 شهرًا. والتنفيذ لا يحتاج جهازًا مركزيًا ضخمًا بقدر ما يحتاج فرقًا محلية صغيرة في المديريات، مرتبطة بخطة واحدة ومعايير استهداف واحدة ورقابة واحدة.
أول الطريق برنامج عمل مقابل أجر واسع ومنظم. ليس حملة شكلية، بل سياسة تشغيل طارئة تعالج الألم مباشرة لأنها تمنح الناس أجرًا مقابل عمل، وتعيد للمجتمع جزءًا من بنيته التي تآكلت. في صنعاء يمكن توجيه هذا البرنامج إلى خدمات حضرية ذات أثر فوري: صيانة شبكات مياه، تنظيف مجاري السيول، ترميم مدارس ومراكز صحية، إصلاح شوارع داخلية، وتنظيم الأسواق. وفي المحافظات الجبلية والريفية يتحول إلى صيانة المدرجات، شق قنوات حصاد مياه، حماية الطرق ، وترميم عبارات السيول.
وليس شرطًا أن يبدأ التدخل بدفعات كبيرة؛ يكفي أن يبدأ بدفعات صغيرة منتظمة ومشاريع قصيرة المدة تضمن دوران الأجر في السوق بدل أن يبقى حبرًا على ورق.
ثاني الطريق تحريك الاقتصاد المنزلي والميكروي، لأن هذا هو الاقتصاد الذي يعيش حين يختنق الكبير. آلاف الأسر تمتلك مهارة يمكن أن تتحول إلى دخل إذا توافر الحد الأدنى من الأدوات والتنظيم. المطلوب هنا ليس إعانة استهلاكية تُطفئ يومًا وتُشعل غدًا، بل دعم إنتاجي صغير يمنح أدوات عمل ويُفتح له سوق. ماكينة خياطة، عدة صيانة، معدات بسيطة لتجفيف منتجات زراعية، خلايا نحل، أو تجهيزات تبريد صغيرة، كلها قد تصنع فرقًا حين تُدار بآلية عادلة وتُربط بمنافذ بيع منتظمة. أي دعم للمشاريع الصغيرة إذا لم يكن أدوات إنتاج مع تدريب تطبيقي ومنافذ بيع منظمة، سيتحول إلى مساعدة مؤقتة لا تغيّر الاقتصاد.
ثالث الطريق تثبيت سلاسل القيمة في المحافظات حسب ميزتها. الحديدة، مثلاً، يمكن أن تربح كثيرًا من نقاط تبريد صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية قرب مناطق الإنتاج، لأن تقليل الفاقد يعني زيادة الدخل دون زيادة الجهد. لا نتحدث عن محطات كبيرة مكلفة، بل وحدات صغيرة قابلة للتوسع، تبدأ بالنقاط الأكثر خسارة في سلسلة القيمة. المحافظات الجبلية يمكن أن تجعل حصاد المياه وترميم المدرجات مشروع تشغيل واسع، لأن هذه الأصول هي التي تصنع الغذاء وتمنع الانزلاق إلى عجز دائم. صنعاء يمكن أن تؤسس أسواقًا أسبوعية منظمة للمنتجات المنزلية، فتفتح منفذ بيع لمن لا يملك رأس مال لمحل دائم، وتعيد حركة نقدية داخل الأحياء.
غير أن أي خطة ستظل ناقصة إذا لم تُحسم القيود الداخلية التي تخنق السوق من الداخل. ازدواج الرسوم، تعقيد الإجراءات، وتضخم كلفة النقل تتحول فورًا إلى سعر أعلى، ثم إلى طلب أقل، ثم إلى وظيفة أقل. تخفيف العبء ليس تنازلًا عن إيراد، بل حماية لقاعدة الإيراد نفسها؛ حين تموت السوق ينقطع الإيراد من الأصل. حماية صغار المنتجين والتجار من التكاليف غير الضرورية هي حماية مباشرة للوظيفة ولقوت الناس.
ويبقى شرط النجاح الذي لا يقبل المساومة: النزاهة. في زمن الندرة، النزاهة ليست شعارًا بل شرط تشغيل. أي برنامج بلا شفافية سيتحول إلى باب تذمر، وأي صندوق بلا رقابة سيتحول إلى اتهام، وأي تدخل بلا مؤشرات قياس سيتحول إلى خبر ينتهي بانتهاء اليوم. المطلوب مؤشرات واضحة وبسيطة: كم يوم عمل خُلق؟ كم أسرة استعادت دخلًا؟ كم أصلًا خَدَميًا أُعيد تأهيله؟ هل انخفض الفاقد في سلاسل القيمة؟ هذه الأسئلة تفرز الجدية من الضجيج وتبني الثقة، والثقة تعني حركة في السوق.
الحصار قد يفرض حدودًا على الخارج، لكنه لا يفرض الجمود في الداخل. الأمم لا تُختبر وقت الرخاء بقدر ما تُختبر وقت الضيق: هل تحسن إدارة القليل؟ هل تعيد ترتيب الأولويات نحو الغذاء والماء والطاقة والنقل وحماية السوق؟ هل تحوّل طاقة الناس إلى عمل بدل أن تتركها تتسرب إلى اليأس؟
التاريخ لا يرحم المتفرجين، والاقتصاد لا ينتظر النائمين. الناس لا تطلب معجزات، بل تطلب حركة: تدخلات قابلة للتنفيذ تبدأ سريعًا وتتوسع تدريجيًا وتُقاس بوضوح. إذا كان الحصار قدرًا، فإن الجمود خيار. والاختيارات في مثل هذه اللحظات تُكتب في ذاكرة الشعوب، لا في هوامش التقارير.