مآلات ميديا – تحقيقات:
تحولت بعض مجاري السيول في بعض وديان اليمن الى منصّة صامتة لواحدة من أخطر العمليات الصناعية على البيئة والإنسان؛ أحواض تخمير الذهب، أو ما يُعرف في لغة التعدين بأحواض ترشيح السيانيد، التي تُنشأ على عجل، و تُملأ بمحاليل كيميائية شديدة السمية، ثم تُترك مخلفاتها لتتسرّب بهدوء إلى التربة، وصولاً إلى آبار لا يتجاوز عمق أغلبها من خمسة إلى عشرة أمتار، هي مصادر لمياه الشرب لأبناء تلك المناطق. هذا المشهد المحلي الصادم يتقاطع حرفياً مع ما وثّقته دراسات وتجارب دولية في إفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا عن الوجه الخفي لصناعة الذهب، حين تُمارَس خارج أي معايير علمية أو رقابية.
أحواض تخمير الذهب، في جوهرها، عبارة عن برك أو أحواض يجري فيها تفكيك الصخور الحاملة للذهب كيميائياً عبر محلول سيانيد الصوديوم القلوي، فيذوب الذهب من الخام ليُجمع لاحقاً من المحلول فيما تُترك مخلفات ملوّثة تعرف بـ”النفايات أو التيلنغز” داخل أحواض ترسيب أو على أكوام ترشيح ضخمة. في العمليات الصناعية النظامية، يُكسر الخام إلى حبيبات صغيرة ثم يُكدّس على طبقة عازلة في موقع مُعدّ خصيصاً، وتُرشّ عليه محلولات السيانيد بتركيزات تتراوح عادة بين 0.01 و0.05% في وسط قلوي مضبوط، لتسهيل إذابة الذهب وتقليل انبعاث غاز سيانيد الهيدروجين القاتل. غير أن الفرق الفاصل بين منشأة ملتزمة بالمعايير وأخرى عشوائية هو تماماً ما يحدّد ما إذا كانت هذه الأحواض أداة إنتاج اقتصادية، أم قنبلة سامة تُطلق مرضاً مزمناً وموتاً بطيئاً في كل اتجاه.
علمياً، يتطلّب إنشاء أحواض تخمير الذهب بنظام السيانيد جملة من الشروط الفنية الصارمة، تبدأ من اختيار الموقع بعيداً عن مجاري السيول ومصادر المياه السطحية والآبار، مروراً بفرش قاع الحوض بطبقات عزل متعددة من التربة الطينية المضغوطة وأغشية بلاستيكية عالية الكثافة (HDPE)، إضافة إلى أنظمة تصريف وتسريب مراقبة (French drains) للكشف المبكر عن أي تسرّب. كما يجب إبقاء المحلول في وسط قلوي مرتفع (درجة حموضة بين 10.5 و11) عبر إضافة الجير أو الصودا الكاوية، لمنع تحوّل السيانيد إلى غاز HCN شديد السمية، الذي قد يقتل خلال دقائق عند استنشاقه بتركيزات مرتفعة. وينصّ “الكود الدولي لإدارة السيانيد” الذي أُقرّ بعد كارثة تسرّب سيانيد من منجم ذهب في رومانيا عام 2000 على ضرورة وجود أنظمة احتواء مزدوجة، ومراقبة مستمرة لجودة المياه الجوفية المحيطة، وتطبيق تقنيات معالجة تقلّل تركيز السيانيد في المخلفات قبل التخلص منها.
لكن ما يحدث في كثير من مواقع التعدين الحرفي في المنطقة العربية وإفريقيا هو نقيض هذه المعايير تقريباً. ففي دراسات أُنجزت على مخلفات مناجم ذهب في السودان، تبيّن أن تركيزات الزئبق في تربة المخلفات تجاوزت الحدود المرجعية الدولية بعشرات المرات، مع تصنيف درجة التلوث والسمّية على أنها “مرتفعة جداً” وفق مؤشرات عالمية، ما يعكس طبيعة البيئة الكيميائية المصاحبة لهذه الأنشطة، حيث يمتزج السيانيد أحياناً بالزئبق ومعادن ثقيلة أخرى في خليط سام طويل الأمد. وفي حالة أخرى حديثة في وسط دارفور، سجّل الأهالي نفوقاً جماعياً للمواشي بعد شربها من مصادر مياه مجاورة لأحواض سيانيد استخدمت في التنقيب الأهلي عن الذهب داخل مجاري أودية، وحذّر خبراء محلّيون من أن السيانيد “المادة الأولى في قائمة المسببات السرطانية” وأن تسرّبه مع السيول في موسم الأمطار يهدد حياة آلاف السكان
على مستوى السلوك الهيدرولوجي، أثبتت أبحاث متخصصة في غانا وغيرها أن أحواض النفايات في منشآت الذهب قادرة على تلويث المياه الجوفية حتى مع وجود عوازل، وأن تراكيز السيانيد والفلزات المصاحبة (الحديد، النحاس، المنغنيز، الزرنيخ، النيكل، الزنك والكروم) ترتفع في بحيرات الأحواض ومع الزمن يمكن أن تتسلل عبر الطبقات الجيولوجية إلى آبار المراقبة المحيطة. وإذا كانت مثل هذه الاختراقات تحدث في منشآت خاضعة لتصميم وهندسة ورقابة دورية، فإن نقل نفس العملية إلى وسط وادٍ مفتوح في بلد منهك بالحرب وضعيف المؤسسات، ومن دون أي عزل حقيقي أو مراقبة أو محطات معالجة، يعني عملياً أن المواد السامة تسلك أقصر الطرق إلى قلب طبقة المياه الجوفية التي تعتمد عليها القرى.
السيانيد بحد ذاته مادة فائقة السمية، يمكن أن يقتل الأسماك والحياة المائية بكميات صغيرة نسبياً عند وصوله إلى الأنهار أو الأحواض المائية، كما تشير تقارير بيئية عن حوادث تسرّب من منشآت ذهب أدت إلى نفوق واسع للأسماك وتدهور جودة المياه وانهيار سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على الصيد والزراعة المروية. كما أن المخلفات لا تحمل السيانيد وحده؛ فعملية التخمير تطلق من الصخور معادن ثقيلة مثل الزرنيخ والزئبق، ارتبطت دراسات ميدانية بارتفاع معدلات التشوهات الخلقية والإجهاضات والأمراض المزمنة في مجتمعات تعيش قرب مناجم ذهب في إثيوبيا، حيث أظهرت تقارير تدقيق بيئي وجود تراكيز مرتفعة من السيانيد والزئبق في المياه والتربة المحيطة بمنجم “ليغا دمبي”، وتسجيل أعلى معدلات عيوب خلقية في البلاد في تلك القرى. هذه الصورة العلمية لا تترك مجالاً كبيراً للشك في أن استمرار نشاط أحواض تخمير غير مضبوطة قرب مصادر مياه الشرب هو وصفة مؤكدة لتفشي أمراض سرطانية وعصبية وتنفسية على المدى المتوسط والبعيد.
في اليمن، حيث تؤكد بيانات وجود أكثر من خمسين موقعاً لتواجد الذهب والفضة في محافظات حجة، صعدة، الجوف، حضرموت، أبين وصنعاء وغيرها، تحوّل جزء من هذه الثروة إلى هدف للتعدين الحرفي غير المنظم، الذي يعتمد غالباً على أساليب بدائية أو نصف صناعية باستخدام السيانيد والزئبق، في ظل غياب شبه كامل للرقابة البيئية والصحية. وثائق محلية متخصصة حذّرت منذ سنوات من أن “التعدين الحرفي للذهب في اليمن يسبب مخاطر جسيمة على الصحة العامة وأضراراً بيئية كبيرة”، خصوصاً عندما تُقام المنشآت في بيئات هشة مائياً وتعتمد على مياه جوفية ضحلة. يتزامن ذلك مع واقع مائي شديد الهشاشة، تجلّى في تسربات واسعة لمياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى حوض صنعاء الجوفي، وتحول مجاري المجاري في بني الحارث إلى نهر ملوث تُسجل فيه حالات تسرب مباشر إلى الآبار الجوفية، بحسب تحقيقات صحفية متخصصة، ما يبرهن أن الطبقات الحامية للمياه في اليمن مثقوبة أصلاً وتستجيب سريعاً لأي ضغط تلوث إضافي.
على هذه الخلفية، يكتسب ما يورده أبناء تلك المحافظات اليمنية عن إنشاء أحواض تخمير لمعامل الذهب في وسط الوديان ومجاري السيول، والتخلص من مخلفات تلك الأحواض السامة مباشرة في مجرى المياه، خطورة مضاعفة. حين يتحدث الأهالي عن أكثر من عشرات الابار اليدوية التي يشربون منها، خصوصا اذا كانت على عمق بين خمسة وعشرة أمتار، فإننا علمياً أمام طبقة مائية ضحلة يسهل على أي ملوث ذائب—مثل مركّبات السيانيد والمعادن الثقيلة—أن يهاجر إليها خلال فترة زمنية قصيرة، خصوصاً في بيئة أودية مفتوحة ذات نفاذية عالية للتربة. مع كل موسم أمطار، تتحول السيول إلى ناقل كيميائي يجرف الرواسب الملوثة من مواقع الأحواض وينشرها أفقياً على مساحات أوسع، فيما يتكفل الجريان العمودي عبر شقوق التربة بنقلها إلى الأسفل، لتتلاقى في نفس الطبقة التي تُغذي تلك الآبار المنزلية. في هذه الحالة، لا يكون سؤال “هل ستتسرب مخلفات الأحواض إلى الآبار؟” مطروحاً على سبيل الاحتمال، بل يصبح “متى وكم ستكون الجرعة التي يتلقاها كل بيت من هذا السم يومياً؟”.
إفادات السكان عن انتشار الأمراض والسرطانات في كل منطقة وقرية مجاورة، وإن كانت تحتاج إلى دراسات وبائية منهجية لتوثيق العلاقة السببية، إلا أنها تتطابق مع الأنماط التي رُصدت عالمياً في قرى أحاطت بمناجم ذهب استخدمت السيانيد والزئبق بلا ضوابط: ارتفاع غير مفسر في حالات السرطان، زيادة في الإجهاضات، تشوهات خلقية، وأمراض جلدية وتنفسية مزمنة. خصوصا ان بعض اهالي المناطق المتأثرة في تلك المحافظات سبق وناشدوا كل الجهات المختصة والأمنية ولم يتم التجاوب.
من الناحية القانونية والأخلاقية،  فإن قلق المواطنين في تلك المحافظات يستند ضمنياً إلى نصوص وتوجهات دولية واضحة؛ ففي دول مثل موريتانيا، أُوقفت مصانع ذهب بسبب ارتفاع تركيز السيانيد في أحواض النفايات بعد ملاحظة نفوق واسع للطيور والحيوانات، وطالب نواب البرلمان بإجراء تدقيق بيئي شامل للشركة ومنشآتها، مؤكدين أن السيانيد يمكن أن يتسرب إلى الممرات المائية ويهدد التنوع البيولوجي والصحة العامة. في السودان، منعت سلطات محلية استخدام السيانيد قرب المناطق السكنية بعد ثبوت نفوق حيوانات وتلوث مصادر مياه، فيما تُلزم “مدونة إدارة السيانيد” شركات الذهب عالمياً باحترام مسافة أمان واضحة بين أحواض السيانيد وأي تجمع سكاني أو مصدر مياه. قياساً على ذلك، فإن إقامة أحواض تخمير في قلب وادٍ مأهول تُعد، بمقاييس العلم والقانون، جريمة بيئية مكتملة الأركان لا مجرد مخالفة إدارية.
ما يجري يكشف أن القضية أعمق من نزاع تقني على “طريقة تشغيل” لمعامل الذهب. إننا أمام نموذج مصغّر لصراع على تعريف معنى “الاستثمار” في بلد هش مثل اليمن: هل هو استثمار في استخراج الذهب بأي ثمن، أم استثمار في استدامة حياة مجتمع محلي يعتمد بالكامل على آبار ضحلة وزراعة مطرية؟ من زاوية الصحافة الاستقصائية، ما يلفت هنا هو تكرار عناصر مشتركة مع تجارب موثقة في السودان وإثيوبيا وليبيريا: تشغيل منشآت عالية الخطورة بممارسات بدائية، إخفاء أو تجاهل البيانات البيئية الحقيقية، ثم انفجار الأعراض المرضية في جسم المجتمع كما لو أنها “قدر”، بينما هي في حقيقتها نتيجة قرار.
السيناريوهات مفتوحة بين مسارين متضادين. الأول، استمرار الوضع كما هو عليه، حيث تتوسع أحواض التخمير أفقياً مع تزايد الطلب على الذهب، وتتسع رقعة التلوث عاماً بعد عام، إلى أن يصل التسمم في المياه مرحلة تجعل الكثير من الآبار غير صالحة للشرب ولا الزراعة، ما يدفع إلى موجات نزوح زراعي صامتة ويعمّق أزمة المياه الوطنية في بلد يُصنف أصلاً بين الأكثر ندرة للمياه في العالم. هذا السيناريو، المدعوم بتجارب مناجم الذهب في دول أخرى، يقود غالباً إلى لحظة انفجار اجتماعي أو صحي حاد: تقرير طبي يوثّق ارتفاعاً كبيراً في السرطانات، أو كارثة نفوق حيواني واسعة، أو حادث تسرّب كبير تلتقطه عدسات الإعلام، ليصبح الملف فجأة قضية وطنية.
المسار الثاني، وهو الأقل احتمالاً لكنه الوحيد القادر على إيقاف النزيف، يبدأ باعتراف رسمي صريح بخطورة أحواض التخمير في الأودية ومجاري السيول، يليه وقف فوري لأي نشاط قائم قرب مصادر مياه، وإخضاع المنشآت القائمة لمراجعة بيئية وتقنية مستقلة، مع إلزام المستثمرين بتحويل عملياتهم إلى مواقع آمنة مزودة بعوازل متعددة وأنظمة معالجة للمخلفات وفق المعايير الدولية، أو إغلاقها. بالتوازي، يمكن لليمن، ولو في حدها الأدنى، الاستفادة من تجارب تقنيات بديلة تخفّض استخدام السيانيد أو تستبدله جزئياً بمواد أقل خطورة مثل تقنية الترشيح بالجلايسين التي بدأت بعض الشركات العالمية تجربتها لتقليل كميات السيانيد المستخدمة إلى النصف.
إلى أن يتحقق ذلك، يبقى صوت تلك المناطق المتضررة بمثابة بيان دفاع أخير عن حق بسيط وأساسي: أن لا يتحول كأس الماء اليومي إلى جرعة مخفية من السم، وأن لا يدفع أبناء اليمن ثمن جهل بمدى صحة أجسادهم وسلامة أحواضهم المائية التي لا تعوّض. في ميزان التحقيق الاستقصائي، كل يوم يستمر فيه تشغيل هذه الأحواض فوق الوديان هو يوم إضافي في عدّاد كارثة بيئية وصحية مكتومة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.