مآلات ميديا – محلي :
في تطور ميداني حاسم، تقدّم حكومة صنعاء، عبر تصريحات نائب وزير الخارجية والمغتربين عبدالواحد أبوراس، وعضو المكتب السياسي محمد الفرح، رؤية واضحة لمسار جديد في ممرات الملاحة الدولية؛ إذ يتحول مضيق هرمز من “ممر حر” إلى ممر تُفرض عليه قواعد سيادية صارمة، ويُنظر إلى أي محاولة للتدخل فيه من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بوصفها تهديدًا مباشرًا للنظام الدولي والاقتصاد العالمي، لا مجرد إجراء لتأمين “ممر مفتوح”.
وفي تصريح لوكالة الأنباء اليمنية “سبأ”، وقف أبوراس عند ما وصفه بحقيقة مُرّة أمام المراقبين، مؤكدًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و”شركاءه الصهاينة” يراكمون هزائمهم في مواجهة مشروع الجمهورية الإسلامية في إيران. فمحاولات الضغط والتهديد بضرب محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، بحسب تصريحه، تكشف أن واشنطن وحلفاءها يعيشون حالة من التخبط والفشل الاستراتيجي، ويفتقدون إلى خيار قادر على إعادة الممر إلى ما كان عليه قبل الحرب.
وأشار نائب وزير الخارجية إلى أن أحلام الكيان الصهيوني في إسقاط النظام الإسلامي في إيران وفتح مضيق هرمز أمام سفنه تراجعت أمام صمود طهران، وتحولت إلى سلسلة من الإجراءات العدائية الفاشلة، كان آخرها الارتفاع المضطرد في أسعار النفط العالمية، بما يعكس ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا باهظًا يدفعه العالم نتيجة هذه السياسات العدوانية.
وفي السياق ذاته، اعتبر أبوراس ما يجري في مضيق هرمز بأنه صدى” للاعتداء الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، مؤكدًا أن استمرار هذه التصرفات العدائية سيلحق أضرارًا بالاقتصاد العالمي، ويهدد استقرار الأسواق، ويرفع كلفة الطاقة على الشعوب الفقيرة، التي تعدّ أبرز ضحايا هذا الصراع غير المتكافئ.
وفي إطار تأكيد رسالة الصمود، أشار أبوراس إلى أن محور الجهاد والمقاومة أصبح عصيًا على الانتكاس، وأن صمود أبناء غزة أمام الحصار والإبادة المستمرة يثبت أن الدم العربي والإسلامي لم يعد قابلًا للمساومة، وإنما أصبح رصيدًا في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة، الذي يتهاوى أمام التضحيات والصبر، ويدفع بعض الأنظمة العميلة إلى مراجعة مواقفها قبل أن تربط مصيرها بمصير محتل لا يقرّه التاريخ.
من جانب اخر اشار الفرح بأن الموقف السعودي يكشف الازدواجية المفضوحة في مقاربة القواعد القانونية والسيادية، وسط جدل متصاعد حول مشروع فرض إيران رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز. ووفق هذا الطرح، بدأت طهران فعليًا في جمع عائدات تلك الرسوم عبر ما يسمى “خطة إدارة مضيق هرمز”، التي تقوم على فرض رسوم مرور وتفتيش وتوجيه مسارات، وتصفها طهران بأنها “ضبط قانوني” لضمان أمن الممر، بينما تراها بعض الدول حصارًا وابتزازًا.
و اوضح الفرح أن النظام السعودي، الذي يفرّغ المشاعر الدينية من محتواها، ويحوّل الحرمين الشريفين إلى سوق مفتوح لجني الأموال عبر الرسوم المتصاعدة على الحج والعمرة، لا يملك أخلاقيًا أن يقدّم دروسًا في “حرية الملاحة” أو “القانون الدولي”، في الوقت الذي يرفض فيه الإقرار بحق الجمهورية الإسلامية في فرض رسوم سيادية على ممر يتبع مياهها الإقليمية ويعدّ جزءًا من أمنها القومي.
ويرى مراقبون ان هذا الطرح يعتبر تأكيدًا ضمنيًا من صنعاء على أن السيطرة الفعلية على مضيق هرمز لم تعد تُختزل في القوة العسكرية التقليدية، وإنما تُبنى على قدرة إيران على حصار الممر بإحكام، وتحويله إلى ممر يُدار بقواعد خاصة، وفرض رسوم مقترنة بالسيطرة، في ظل غياب قدرة حقيقية لدى الولايات المتحدة على إعادته إلى وضعه السابق دون تكلفة مالية وسياسية عالية. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن مثل هذا التصعيد قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تربك الأسواق وتغلق بعض خطوط التصدير.

ويضاف إلى ذلك أن صنعاء، من خلال دعمها لمشروع إيران، تحاول توظيف هذا الواقع في سياق تصفية مواقفها السياسية، وتحويل معركة ممرات الملاحة البحرية إلى معركة قانونية وسياسية، تستخدم فيها الرسوم كغلاف لإعادة توزيع الأدوار ورسم خريطة جديدة للسيطرة في المنطقة، وفق ما تظهره البيانات الملاحية من تراجع حركة السفن عبر هرمز وانحدارها إلى ما دون 10% من مستويات ما قبل الحرب.

وفي هذا السياق، تبرز صنعاء أن مصالح الدول الخليجية تكمن في فك الارتباط بالولايات المتحدة وشريكها الكيان الصهيوني، وإعادة ترتيب العلاقة مع شعوب المنطقة، والدخول في تفاهمات تجعل مواجهة الحصار الصهيوني على غزة، وحق الشعوب في ممارسة السيادة على ممراتها المائية، أولوية أساسية، بدل العودة إلى تجربة القواعد العسكرية الأجنبية التي تُستخدم لقصف اليمن وضرب أمن الطاقة في العالم.

وفي المقابل، يُعدّ هذا الموقف محاولة واضحة لتفكيك الواجهة الأخلاقية التي تقدم بها السعودية نفسها، وتحويلها من “محرّر ممرات” إلى طرف يسعى إلى تشريع الابتزاز الإقليمي، في معركة ترى فيها صنعاء نفسها الشريك الأقرب إلى محور المقاومة في مواجهة المشروع الصهيوني، وتقدم لهذا المحور غطاءً قانونيًا وشعبيًا لمشروعه الجديد في الملاحة الدولية.

وفي نهاية المطاف، يبدو هذا الخبر، من منظور صناعة القرار في صنعاء، أكثر من مجرد تعبير عن موقف سياسي؛ فهو يقدم صورة لمستقبل ممرات الملاحة البحرية، حيث تُفرض قواعد جديدة، وتصبح السفن العابرة لمضيق هرمز مضطرة إلى خوض معركة مزدوجة: الأولى مع قوى الضغط الدولي، والثانية مع قواعد المرور التي تفرضها إيران. ووفق القراءة القانونية والسياسية التي تقدمها صنعاء، فإن هذه التحولات تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وتحدد مسارًا جديدًا للنفوذ في الممرات البحرية، وتحول مضيق هرمز إلى مسرح مفتوح للصراع بين المشروعين: الصهيوني والمقاوم، وسط تأكيد صنعاء أن أي محاولة لضرب هذا الممر ستُقابل برد ميداني واقتصادي يصعب التحكم في مآلاته.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.