فؤاد أبوراس / مآلات ميديا



أطلّ رشاد العليمي ببيان متوتر، مستعجل، ومحمّل بقدر من الارتباك يكفي ليفهم القارئ أن شيئًا مهمًا قد أصاب الجهة التي يتحدث باسمها.


سنوات من الحصار، وتعطيل السفر، واحتجاز الاستحقاقات، وتجويع الموظفين، وإغلاق المنافذ، ولم تستدعِ كل هذه المآسي بيانًا بهذه الحرارة. وحين انتقل الضغط إلى السعودية، استيقظ الحس الوطني فجأة، وخرج العليمي يحمل همّ اليمنيين على كتفيه، وكأن الشعب كان يعيش طوال السنوات الماضية في بحبوحة، ثم بدأت معاناته في اللحظة التي انزعجت فيها الرياض.


التوقيت هنا أكثر فصاحة من البيان نفسه. فالرجل لم يتحرك عندما ضاق اليمني من الحصار، وإنما تحرك عندما ضاقت السعودية من الرد عليه. وهذه وحدها تكفي لمعرفة مركز القرار، واتجاه الولاء، والرقم الذي يرنّ عندما يحين وقت إصدار المواقف.


ثم أخذ يحذر من جر اليمنيين إلى حرب عبثية، وهي عبارة مثيرة للابتسام حين تصدر عن طرف أمضى سنوات وهو يبني خطابه ومشروعه على دفع اليمنيين إلى مواجهة بعضهم، بينما يظل الطرف الخارجي بعيدًا عن الكلفة، قريبًا من المكاسب.


صنعاء وجهت ضغطها إلى السعودية باعتبارها الطرف المؤثر في الحصار وملفاته، أما العليمي فأراد تحويل اتجاه المعركة سريعًا إلى الداخل، وكأن وظيفته السياسية تقوم على مبدأ بسيط: كلما اقتربت النار من صاحب القرار، جرى رمي اليمنيين فيها.


هذه ليست قراءة متعسفة لعباراته، وإنما خلاصة الدور الذي يؤديه بوضوح؛ تهدئة الخارج بإشعال الداخل، وحماية الحليف عبر استنزاف أبناء البلد، ثم تقديم ذلك للناس في غلاف وطني رديء الطباعة.


والطريف أن البيان فتح ملف النفط، فحدث ما يحدث عادة عندما يندفع المتحدث أكثر مما ينبغي: خرجت الحقيقة من بين السطور قبل أن ينتبه إليها كاتب النص.


فجأة تذكّر العليمي أن ثروات اليمن يمكن أن تُستخدم لدفع الرواتب وتحسين الخدمات. اكتشاف عظيم، يستحق صاحبه جائزة في الاقتصاد السياسي، خصوصًا أنه جاء بعد سنوات من استخراج النفط وبيعِه والتصرف بعائداته، بينما كان المواطن يسمع يوميًا أن الخزينة فارغة، والرواتب متعذرة، والموارد ضائعة في غياهب الظروف.


إذا كانت هذه الثروة قادرة اليوم على خدمة الشعب، فأين كانت قدرتها بالأمس؟ ومن كان يمسك بحساباتها؟ ومن قرر أن يرى اليمني نفطه في الأخبار، ولا يرى أثره في راتبه أو مستشفاه أو طريقه أو مدرسته؟


حديثه عن الثروة لم يبرئه، بل فتح عليه بابًا واسعًا من الأسئلة. لقد أكد من حيث أراد التجميل أن المال كان موجودًا، وأن حق الناس كان معروفًا، وأن وصوله إليهم ظل مؤجلًا حتى أصبحت الحاجة إليه سياسية.


كأن الرسالة تقول لليمنيين: حقوقكم قابلة للظهور عند الضرورة، ورواتبكم تصلح ورقة طوارئ، وثروتكم يُعاد اكتشافها كلما تعرضت مصالح الراعي للضغط.


هكذا تحوّل البيان من هجوم على صنعاء إلى كشف حساب للعليمي نفسه: استنفار لحماية السعودية، دعوة مبطنة لإعادة توجيه الصراع نحو الداخل، واعتراف متأخر بأن موارد اليمن كانت تحت الإدارة والتصرف طوال سنوات الحرمان.


أراد الرجل أن يبدو ممثلًا لليمن، فظهر ممثلًا للدور المطلوب منه. أراد أن يشرح خطر صنعاء، فشرح تبعيته. أراد أن يدافع عن الثروة، فذكّر الناس بمن حجبها عنهم. وأراد أن يصنع بيانًا سياسيًا، فقدم شهادة اعتراف مكتوبة بلغة مرتبكة وموقعة باسمه.


بعض البيانات تحتاج إلى محللين لفك رموزها، أما هذا البيان فقد كان كريمًا للغاية؛ فضح صاحبه من العنوان حتى آخر سطر.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.