مآلات ميديا – متابعات :
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، خرجت وزارة الداخلية السورية بإعلان جديد قالت فيه إنها فككت خلية مرتبطة بحزب الله، زاعمة أن عناصرها تسللوا إلى الأراضي السورية بعد تدريبات في لبنان، وأنهم كانوا يخططون لاغتيالات تستهدف شخصيات حكومية رفيعة. غير أن الإعلان، على ضخامته الأمنية وصخب مفرداته، لم يخرج حتى الآن من دائرة الرواية الرسمية التي تحتاج إلى أدلة مستقلة وشفافة، خصوصاً أن السلطات نشرت صور مشتبهين من دون تحديد جنسياتهم أو تقديم معطيات علنية كافية تثبت الصلة التنظيمية المزعومة بالحزب.
وفي مقابل هذه الرواية، جاء رد حزب الله واضحاً وحاسماً، إذ نفى الاتهامات نفياً قاطعاً ووصفها بأنها باطلة، مؤكداً أنه لا وجود له داخل الأراضي السورية ولا أي نشاط له فيها. ولم يكن هذا النفي مجرد بيان دفاعي عابر، بل امتداداً لموقف أعلنه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم حين شدد على أن الشعب السوري حر في قراراته، وأن الحزب لا مشكلة لديه مع سوريا وقيادتها الجديدة، وأن عدوه الوحيد هو إسرائيل.
ومن هنا تبدو المسألة أبعد من واقعة أمنية محدودة، لأن تكرار اتهام حزب الله بخلايا داخل سوريا، في ظل نفي متتابع من الحزب، يفتح الباب أمام سؤال جوهري: لماذا يُستدعى اسم المقاومة في كل مرة تُطرح فيها رواية أمنية حساسة، بينما لا تُقدَّم للرأي العام مواد تحقيقية قابلة للفحص أو اعترافات موثقة أو مسار قضائي معلن يقطع الشك باليقين؟ وقد أشارت تقارير إلى أن السلطات السورية الجديدة كررت منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 اتهاماتها لخلايا مرتبطة بحزب الله، فيما واصل الحزب نفي تلك الاتهامات (الجزيرة الإنجليزية).
وعند قراءة التوقيت، يصبح الاتهام أكثر التباساً، لأن سوريا نفسها تواجه منذ سقوط النظام السابق واقعاً أمنياً مفتوحاً على تدخلات إسرائيلية وضربات متكررة وانتهاكات للسيادة. فقد ذكرت CNN أن إسرائيل نفذت نحو 480 ضربة في سوريا خلال يومين في ديسمبر/كانون الأول 2024، ودخلت قواتها المنطقة العازلة وما وراءها بعد سقوط الأسد. كما دانت الخارجية السورية في مارس/آذار 2026 ضربات إسرائيلية استهدفت بنى عسكرية في الجنوب، ووصفتها بأنها اعتداء على السيادة السورية وسلامة أراضيها.
وبذلك، فإن جوهر المشهد لا يكمن في ما تقوله البيانات وحدها، بل في ما تحاول أن تصنعه من اتجاه سياسي ونفسي للرأي العام. فحين يُقدَّم حزب الله بوصفه تهديداً داخلياً لسوريا، من دون حسم مستقل للأدلة، فإن النتيجة العملية تكون إزاحة البوصلة عن الخطر الإسرائيلي القائم والمباشر، وتحويل المقاومة من طرف يعلن أن معركته مع إسرائيل إلى مادة اشتباه دائمة في الساحة العربية. وهذه هي النقطة التي تمنح موقف الحزب قوة سياسية وأخلاقية، لأنه لا يكتفي بالنفي، بل يربط النفي بتحذير من فتنة سورية لبنانية لا يستفيد منها إلا من يريد تفكيك جبهات المنطقة وتشتيت أولوياتها.
والأخطر أن تحويل الاتهام إلى سردية ثابتة قبل اكتمال الدليل قد يضع الحكومة السورية أمام اختبار وعي استراتيجي شديد الدقة. فالدولة التي تريد تثبيت أمنها تحتاج إلى تحقيقات شفافة لا إلى بيانات عالية النبرة، وتحتاج إلى حماية قرارها الوطني من أي توظيف خارجي لا إلى إدخال علاقاتها مع لبنان في دوامة شكوك لا تنتهي. أما حزب الله، فيظهر في هذه اللحظة متمسكاً بخطاب يحاول حصر العداء في إسرائيل، ورافضاً الانجرار إلى خصومة مع سوريا، ومشدداً على أن لا نشاط له في الداخل السوري.
ومن هذه الزاوية، تبدو اتهامات الخلايا كجزء من معركة أوسع على صورة المقاومة وموقعها ودورها. فإذا كانت دمشق تملك أدلة حاسمة، فإن مقتضى السيادة والقانون أن تعرضها في مسار قضائي واضح، لا أن تتركها معلقة في فضاء الإعلام. أما إذا بقيت الاتهامات بلا برهان مكتمل، فإنها تتحول من ملف أمني إلى أداة سياسية خطرة، تُستخدم لتشويه حزب الله، وتغذية الشك بين السوريين واللبنانيين، وإضعاف البوصلة التي طالما اعتبرها الحزب مركزية: مواجهة إسرائيل لا افتعال معارك جانبية تستنزف المنطقة من داخلها.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















