مآلات ميديا – جنوب لبنان :
تعكس التطورات الميدانية في جنوب لبنان نمطاً متكرراً من الاشتباك غير المتكافئ، حيث تسعى قوى المقاومة إلى استثمار الجغرافيا والتكتيك لتعويض الفارق في القدرات التقليدية مع الجيش الصهيوني. وفي هذا السياق، تبرز التقارير المتداولة حول كمين محكم في محيط وادي راج بين دير سريان وزوطر كجزء من هذا النموذج القتالي، الذي يعتمد على عنصر المفاجأة والاشتباك من مسافات قريبة لإرباك الوحدات المتقدمة.
المعطيات الواردة من مصادر إعلامية قريبة من المقاومة تشير إلى أن القوة الصهيونية المحتله التي توغلت في المنطقة وقعت ضمن نطاق ناري مُعد مسبقاً، حيث جرى استدراجها إلى بيئة جغرافية معقدة تحد من قدرتها على المناورة، قبل أن تتعرض لهجوم مركز بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة. هذا النوع من العمليات يعكس تطوراً في تكتيكات “الكمائن الذكية”، التي لا تهدف فقط إلى إيقاع خسائر مباشرة، بل إلى كسر زخم التقدم وفرض حالة من الحذر المفرط على القوات المهاجمة.
في المقابل، تفيد الروايات بأن سلاح الجو الصهيوني تدخل بكثافة عبر سلسلة غارات استهدفت محيط الاشتباك، وهو ما يمكن قراءته ضمن عقيدة عسكرية معروفة تقوم على استخدام التفوق الجوي لتعويض التعثر البري. غير أن هذا النمط من الرد، وفق القراءة المؤيدة للمقاومة، يعكس أيضاً محدودية القدرة على الحسم الميداني المباشر، حيث تتحول الغارات إلى أداة لتغطية الانسحاب أو تقليل الخسائر، أكثر من كونها وسيلة لتحقيق تقدم فعلي على الأرض.
اللافت في هذه الحادثة، إذا ما صحت تفاصيلها، هو البعد النفسي المصاحب لها، إذ تسعى المقاومة إلى تكريس صورة مفادها أن الجنوب اللبناني لم يعد ساحة مفتوحة أمام العمليات الصهيونية ، بل بيئة معادية مليئة بالمفاجآت، حيث يمكن لأي تحرك غير محسوب أن يتحول إلى نقطة استنزاف. هذه الرسالة تتجاوز حدود الاشتباك التكتيكي لتلامس معادلة الردع الأوسع، التي تقوم على جعل كلفة التوغل البري أعلى من مكاسبه المحتملة.
في المقابل، يبقى من الصعب التحقق بشكل مستقل من حجم الخسائر أو تفاصيل العملية في ظل القيود الإعلامية المفروضة من الطرفين، ما يجعل جزءاً من هذه السرديات يدخل ضمن إطار الحرب النفسية المتبادلة. ومع ذلك، فإن تكرار هذا النمط من العمليات يعزز الانطباع بأن ميزان الاشتباك في الجنوب يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث لم يعد التفوق العسكري التقليدي كافياً لضمان السيطرة الميدانية.
ضمن هذا المشهد، يبدو أن وديان الجنوب وتضاريسه الوعرة تتحول تدريجياً إلى عنصر فاعل في المعركة، تُعيد من خلاله المقاومة تشكيل بيئة القتال بما يخدم استراتيجيتها، وتفرض على خصمها القتال بشروط غير مريحة، حيث يصبح كل تقدم محتمل محفوفاً بخطر التحول إلى كمين.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















