مآلات ميديا – متابعات :
أعلن الإطار التنسيقي الشيعي في العراق، مساء الاثنين 27 أبريل 2026، ترشيحه الرسمي لرجل الأعمال علي فالح كاظم الزيدي لتولي رئاسة الوزراء، في خطوة أنهت شهوراً من الانسداد السياسي داخل الكتلة الأكبر في البرلمان، وأعقبها تكليف مباشر من الرئيس نزار آميدي بتشكيل الحكومة الجديدة. لم يكن الإعلان مجرد إجراء دستوري تقليدي، بل محطة سياسية كثيفة الدلالات، أعادت ضبط إيقاع المشهد بعد مرحلة طويلة من التعثر، وفتحت الباب أمام معادلة جديدة تحاول التوفيق بين ضرورات الداخل وحسابات الخارج.
في خلفية هذا التحول، لا يمكن إغفال أن الإطار التنسيقي لم يصل إلى خيار الزيدي دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي أعاد فيه ترتيب أولوياته تحت ضغط الواقع. ففي اجتماع وُصف بالمفصلي داخل القصر الحكومي ببغداد، بدا المشهد أقرب إلى لحظة مراجعة شاملة، حيث استُحضرت تجربة السنوات الماضية بوصفها مرجعية للتقييم، لا مجرد مرحلة عابرة. وقد حرص قادة الإطار على تثبيت سردية الاستمرارية المؤسسية، مشيرين إلى أن الدولة، رغم ما واجهته من تحديات اقتصادية وإقليمية معقدة، حافظت على تماسكها وقدرتها على إدارة التوازنات، في إشارة ضمنية إلى أداء حكومة محمد شياع السوداني التي عُدّت، في تقديرهم، محطة عبور صعبة نجحت في تفادي الانهيار أكثر مما نجحت في تحقيق اختراقات نوعية.
وفي هذا السياق، برزت خطوة انسحاب الأسماء الأثقل وزناً من سباق الترشح كتحول لافت في حسابات الإطار، حيث قُدِّم هذا التنازل باعتباره قراراً سياسياً واعياً يهدف إلى كسر الجمود، لا نتيجة عجز عن الحسم. فقد أُعيد تأطير خروج نوري المالكي ومحمد شياع السوداني من دائرة المنافسة بوصفه إسهاماً في فتح المجال أمام تسوية جديدة، تعيد ترتيب المشهد وتخفف من حدة الاستقطاب، وهي رسالة أراد الإطار من خلالها إظهار قدرته على تقديم تنازلات محسوبة عندما تفرضها ضرورات المرحلة.
ومن هنا، لم يأتِ طرح الزيدي كاسم بديل بقدر ما جاء كخلاصة لهذا المسار، مرشحاً يعكس انتقال الإطار من منطق الأسماء الثقيلة إلى منطق القابلية للتمرير، ومن رهانات النفوذ إلى حسابات الاستقرار. اختيار يبدو في ظاهره فنياً، لكنه في جوهره سياسي بامتياز، يعبر عن لحظة إدراك بأن إدارة المرحلة المقبلة تتطلب شخصية قادرة على العبور بين التناقضات، أكثر من حاجتها إلى شخصية تصنع الصدام.
الزيدي، القادم من عالم المال والأعمال، لا يحمل إرثاً سياسياً صاخباً ولا خطاباً أيديولوجياً حاداً، بل يُقدَّم بوصفه تكنوقراطياً بملامح براغماتية، صعد من مواقع إدارية في القطاع المصرفي والاستثماري، حيث تولى إدارة مؤسسات مالية وتجارية نشطة في قطاعات متعددة. هذه الخلفية، التي تجمع بين القانون والاقتصاد والعلوم المالية، تمنحه صورة الرجل القادر على قراءة الأرقام في بلد تتراكم فيه الأزمات أكثر مما تتراكم الحلول. غير أن هذه الميزة نفسها لا تخلو من ظلال الشك، إذ اعتاد الشارع العراقي أن ينظر بريبة إلى كل من يأتي عبر بوابة التوافقات السياسية، حتى وإن ارتدى عباءة الاختصاص.
لم يكن هذا التحول منفصلاً عن تأثيرات البيئة الدولية، فقد جاء بعد تعثر مسار ترشيح نوري المالكي في وقت سابق، في ظل اعتراضات أمريكية واضحة أعادت رسم حدود المقبول سياسياً. ومع تصاعد هذه الضغوط، برزت الحاجة إلى مرشح قادر على تجاوز خطوط التماس دون أن يثير حساسية عالية، وهو ما جعل الزيدي خياراً يحقق الحد الأدنى من التوازن بين الداخل والخارج. وفي هذا الإطار، تبدو مؤشرات القبول الخارجي عاملاً مساعداً في تسهيل مهمته، لكنها لا تمنحه شرعية جاهزة بقدر ما تضعه أمام اختبار أكثر تعقيداً.
في الشارع العراقي، لا تُقاس الأمور بالأسماء بقدر ما تُقاس بالنتائج. لذلك جاء التفاعل الأولي مع الترشيح هادئاً، أقرب إلى الترقب منه إلى الحماس، حيث يمنح الناس الرجل فرصة مشروطة لا تستند إلى قاعدة جماهيرية أو تاريخ سياسي، بل إلى قدرته على إحداث فرق ملموس في واقع مثقل بالخدمات المتعثرة والاقتصاد الهش. فالعراقي الذي خبر تبدل الحكومات لم يعد ينخدع بسهولة بالوعود، بل يختبرها في تفاصيل حياته اليومية.
في المقابل، حظي الترشيح بترحيب نسبي من قوى سياسية عدة، رأت فيه مخرجاً دستورياً من حالة الجمود، ومقدمة لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة. غير أن هذا الترحيب لا يخلو من حسابات دقيقة، إذ يمنح الحكومة المقبلة فرصة للانطلاق، لكنه يضع أمامها سقفاً عالياً من التوقعات في بيئة لا تحتمل مزيداً من الإخفاق.
في المحصلة، لا يدخل الزيدي المشهد باعتباره زعيماً جماهيرياً، ولا كصاحب مشروع أيديولوجي، بل كمرشح تسوية في لحظة انسداد، يحمل أدوات الإدارة أكثر مما يحمل شعارات السياسة. وبين هدوء اسمه وصخب التحديات التي تنتظره، تتشكل معادلة حاسمة: إما أن يحول هذه الفرصة إلى نقطة تحول تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، أو أن يمر كحلقة جديدة في سلسلة التسويات المؤقتة التي لم تنجح بعد في تغيير قواعد اللعبة. وفي هذا الفاصل الضيق بين الإمكان والاختبار، يبدأ العراق فصلاً جديداً، يُكتب هذه المرة بنبرة أقل ضجيجاً، وأكثر احتياجاً للنتائج.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















