تبدو حالة اللاسلم واللاحرب بين الولايات المتحدة وإيران، في ظاهرها، وضعاً رمادياً لا يتيح لأي طرف إعلان النصر الكامل، لكنها في جوهرها أقرب إلى معركة استنزاف طويلة تتفوق فيها واشنطن، حتى الآن، بأدوات الضغط الاقتصادي والبحري والدبلوماسي، بينما تجد طهران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف ترد دون أن تنزلق إلى حرب مفتوحة، وكيف تصمد اقتصادياً دون أن يتحول الضغط الخارجي إلى أزمة داخلية خانقة.
الحقيقة التي قد لا تبدو مريحة لكثيرين هي أن هذا النوع من المواجهة، حين يبقى محصوراً بين الحصار والتهديد والضربات المحدودة وحرب الأعصاب، يمنح الأمريكيين هامشاً أوسع للمناورة. فالولايات المتحدة لا تحتاج في هذه المرحلة إلى حرب شاملة كي تُحدث أثراً عميقاً داخل إيران، بل يكفيها أن تُبقي الموانئ الإيرانية تحت ضغط مستمر، وأن تضيق حركة السفن والتجارة والتأمين والتمويل، وأن تجعل كلفة كل يوم من أيام الأزمة أعلى من قدرة الاقتصاد الإيراني على الاحتمال الطويل. ووفق التقديرات المتداولة، فإن الخسائر اليومية الناجمة عن هذا الضغط قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، فضلاً عن تقارير تتحدث عن احتجاز أو تعطيل سفن إيرانية أو مرتبطة بالمصالح الإيرانية خلال فترة وجيزة، بما يعني أن المواجهة لم تعد محصورة في النفط وحده، بل باتت تمس التجارة، وسلاسل الإمداد، والثقة الدولية في قدرة إيران على إدارة صادراتها ووارداتها في بيئة آمنة.
هنا تكمن خطورة المشهد. فالحصار إذا كان نفطياً فقط يمكن الالتفاف عليه جزئياً عبر الأسواق الرمادية والوسطاء والخصومات السعرية، أما حين يتحول إلى ضغط شامل على الموانئ، والشحن، والتأمين، والتحويلات، وقطع الغيار، والمبادلات التجارية، فإنه يصبح حرباً اقتصادية مكتملة الأركان، حتى وإن لم تُعلن رسمياً بهذا الاسم. وهذه الحرب لا تضرب الدولة وحدها، بل تمتد آثارها تدريجياً إلى المجتمع، حيث ترتفع الأسعار، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتآكل الثقة، ويصبح المواطن العادي هو الجبهة الأكثر هشاشة في معركة لا يملك قرارها ولا يستطيع الهروب من نتائجها.
في المقابل، تمتلك إيران ورقة حساسة تتمثل في مضيق هرمز، وقد نجحت بالفعل، أو يمكن أن تنجح، في رفع منسوب القلق داخل أسواق الطاقة كلما لوّحت بتقييد الملاحة أو تعطيلها. غير أن هذه الورقة، على أهميتها، ليست بلا حدود. فارتفاع أسعار النفط قد يربك الأسواق ويضغط على المستهلكين والحلفاء، لكنه لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستكون المتضرر الأكبر. فالأسعار قد تستقر عند مستوى معين بعد الصدمة الأولى، كما أن واشنطن تملك أدوات واسعة لامتصاص جزء من الأثر، سواء عبر الاحتياطيات، أو تنسيق الإنتاج مع شركائها، أو نقل العبء الأكبر إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة. ولهذا فإن إغلاق المضيق أو تهديده يظل ورقة خطرة، لكنها قد تتحول إلى سلاح ذي كلفة عالية على الجميع، بما في ذلك إيران نفسها.
السؤال الأهم هنا: ما الذي تستطيع طهران فعله للخروج من دائرة الاستنزاف؟ من الناحية الاستراتيجية، تبدو إيران بحاجة إلى إعادة بناء معادلة الردع، لا عبر الاندفاع إلى مواجهة واسعة قد تمنح واشنطن وتل أبيب ذريعة لتوسيع الحرب، وإنما عبر تقوية نقاط الضعف التي كشفتها الأزمة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين الموانئ، وتوسيع القدرة على الصمود الاقتصادي. فالمعركة الحديثة لا تُحسم بالصواريخ وحدها، بل بقدرة الدولة على حماية سمائها، وتأمين تجارتها، وإدارة مواردها، والحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية.
ومن زاوية أعمق، تبدو إيران أمام خيارين كلاهما صعب: إما أن تبقى في وضع الدفاع الاقتصادي الطويل، وهذا يستهلك مواردها ويضغط على مجتمعها ويمنح خصومها زمناً إضافياً لإضعافها؛ أو أن ترفع مستوى الردع بشكل محسوب، سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، بما يجعل كلفة استمرار الحصار أعلى على الطرف الآخر أيضاً. غير أن الفرق بين الردع والتورط في حرب مفتوحة هو الفرق بين إدارة الأزمة بعقل استراتيجي وبين الوقوع في فخ الاستدراج. فالولايات المتحدة قد لا ترغب في حرب شاملة، لكنها قد تستفيد من أي تصعيد غير محسوب يمنحها غطاءً دولياً أوسع ويعيد ترتيب التحالفات ضد طهران.
لذلك يمكن القول إن حالة اللاسلم واللاحرب، بصيغتها الحالية، تميل لمصلحة واشنطن لأنها تسمح لها بخوض حرب منخفضة الكلفة نسبياً، عالية التأثير على إيران. إنها حرب بلا جبهات واضحة، لكنها تضرب الاقتصاد، وتستنزف الموانئ، وتخنق التجارة، وتزرع القلق في الداخل. أما إيران، فإن استمرارها في هذه الحالة دون تعديل قواعد اللعبة يعني قبولها باستنزاف طويل قد يكون أشد قسوة من المواجهة العسكرية المباشرة.
الخلاصة أن الحرب الاقتصادية على إيران قد تكون، في أثرها التراكمي، أقسى من الحرب العسكرية، لأنها لا تبحث عن نصر سريع، بل عن إنهاك بطيء. إنها حرب الأعصاب والموانئ والأسواق والتأمين والعملة والشارع. وفي مثل هذا النوع من الحروب، لا ينتصر الطرف الذي يطلق التهديد الأعلى صوتاً، وإنما الطرف الذي يصمد أطول، ويتحرك أذكى، ويمنع خصمه من تحويل الوقت إلى سلاح قاتل ضده.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.