م. فؤاد ابوراس / مآلات ميديا :
المسؤول الذي يحاول إرضاء الجميع يبدو في البداية رجلًا مناسبًا للمرحلة: هادئًا، مرنًا، قليل الضجيج، يبتسم كثيرًا ويعد كثيرًا، ويظن أن اللين يكفي لإطفاء أي خلاف. في المؤسسات المرهقة أصلاً بالصراعات، قد يصفق الناس لهذا النموذج ويعتبرونه “عقلًا رشيدًا” و“وجهًا مطمئنًا”. لكن الإدارة ليست جلسة مجاملة طويلة، والمؤسسة لا تعيش على النوايا وحدها. هناك لحظة يصبح فيها الوضوح أهم من اللطف، والعدل أهم من الرضا، والقرار أهم من التهدئة.
مأزق هذا المسؤول أنه يخلط بين شيئين لا يجتمعان طويلًا: أن تُرضي الجميع، وأن تحمي المؤسسة. يبدأ الأمر بجملة يكررها بحسن نية: “خلّونا نراعي الجميع”. ثم تتحول هذه الجملة إلى طريقة إدارة: وعد هنا حتى لا يغضب طرف، ووعد هناك حتى لا يخسر طرفًا آخر، وتأجيل القرار حتى “تهدأ النفوس”. ومع الوقت تتضخم الوعود، ويتكاثر التأجيل، ويذوب المعيار. في اللحظة التي تتراجع فيها القاعدة خطوة واحدة، تتقدم العلاقات عشر خطوات، ويصبح السؤال داخل المؤسسة: من أقرب؟ لا من أحق؟ ومن يستطيع الضغط؟ لا ما هو الصحيح؟
وحين يذوب القرار في محاولات الإرضاء، لا يبقى في يد الناس إلا التأويل. كل طرف يقرأ الكلام على هواه، ويعتبر الصمت موافقة، ويحوّل عبارة مطاطة إلى حق مكتسب. تتعدد الروايات في المكان الواحد، ويصبح كل فريق كأنه يعمل في مؤسسة مختلفة. تتعطل الإجراءات لأن الطريق لم يعد واحدًا، وتتآكل الثقة لأن الميزان لم يعد واحدًا. والأسوأ أن الموظف الجاد يفقد حماسه لأنه يرى القاعدة تُكسر بلا سبب واضح، بينما يتجرأ المتلاعب لأنه يرى أن الباب يُفتح لمن يعرف كيف يطرقه.
في هذه النقطة يدخل المحيطون به إلى المسرح، لا بصوت عالٍ، بل بخطوات هادئة. هم لا يهاجمونه لأنهم يعرفون أنه يهرب من الصدام؛ هم يستغلون نقطة ضعفه الأساسية: خوفه من أن يزعّل أحدًا. يصنعون حوله دائرة “أنصار” تقول له: نحن سندك، نحن نفهمك، نحن نخفف عنك الضغط. ثم يطلبون المقابل صغيرًا ومهذبًا: توقيع سريع “لحالة خاصة”، تجاوز بسيط “حتى تمشي الأمور”، تغطية خطأ “مرة واحدة”. المسؤول الطيب يراها إنسانية، بينما هم يرونها تدريبًا على كسر القاعدة دون أن يشعر.
بعدها يسيطرون على المعلومة. لا يتركون الحقيقة تصل إليه كاملة، بل تصل عبرهم مصفاة ومُفصّلة بما يخدمهم. يضخمون ما يريدون تضخيمه ويخفون ما يفضحهم، ويختارون توقيت الكلام بعناية: قبل اجتماع، آخر الدوام، لحظة ضغط، وقت لا يسمح بالتدقيق. ثم يقدمون له استعجالًا مصطنعًا: “وقّع الآن وإلا بتتفاقم المشكلة”. ولأنه لا يريد أن يُقال عنه سبب التعطيل، يوقّع. وهكذا تتحول القرارات من صناعة مؤسسية إلى رد فعل على ضغط مُدار.
ثم يرتقون إلى ابتزاز ناعم لا يبدو ابتزازًا في الشكل لكنه ابتزاز في الأثــر. لا يقولون: سنؤذيــك؛ يقولــون: “نخاف عليـــــك… الناس تتكلم… القرار هذا قد يزعّل فلان…”. يضغطون عليه بالخوف من الضوضاء أكثر من الخوف من الخطأ، وبالخوف على صورته أكثر من الخوف على النظام. وكل مرة يشتري الهدوء بتنازل، يضعون في عنقه قيدًا جديدًا: وعد آخر، استثناء جديد، التزام غير مكتوب يصير لاحقًا سلاحًا ضده: “أنت قلت… أنت وعدت”.
ومن أخطر الشِّراك أنهم يجعلونه وسيطًا دائمًا في خصومات لا يريدون لها أن تنتهي. لا يبحثون عن حل، بل عن بقاء النار تحت الرماد. يدفعونه ليُرضي هذا اليوم وذاك غدًا، بينما الصراع نفسه يصبح مصدر نفوذهم: يوسّعون الخلاف، ثم يبيعون له دور “المنقذ” كل مرة. ومع الاستنزاف المستمر يضعف الحسم، ومع ضعف الحسم تزداد حاجته إليهم، ومع زيادة حاجته إليهم يتضخم نفوذهم عليه. هكذا تصبح المؤسسة رهينة دائرة صغيرة تعيش على الضباب، وتكره القواعد لأنها تكشفها.
أما الشَّرَك الذي يفتح كل الأبواب أمام الفساد فهو شَرَك “الاستثناء”. يقنعونه أن الاستثناء ذكاء إداري، وأن المرونة هي الحكمة، وأن القاعدة قد تعطل العمل. وحين يُستباح الاستثناء مرة، يتكاثر مثل العشب: كل ملف يصبح حالة خاصة، وكل مخالفة تصبح ظرفًا، وكل محاباة تصبح “تقديرًا”. هنا لا يعود الفساد بحاجة إلى جرأة؛ يكفيه أن يطرق باب مسؤول يخاف من الزعل. تتحول المؤسسة إلى سوق، لا إلى نظام: الذي يعرف الطريق يصل، والذي يأتي بحقه فقط يتأخر.
والنتيجة تُرى سريعًا، حتى لو تأخر الاعتراف بها. يفقد المسؤول ثقة الجادّين لأنه غير حاسم، ويصير مطمعًا للمتلاعبين لأنه قابل للتطويع، ويغرق في شبكة وعود متناقضة لأن كل طرف صار لديه “نسخة” من وعوده. تزداد الاجتماعات وتقل القرارات، يعلو الكلام ويضعف الأثر، وتصبح التقارير أجمل من الواقع. في النهاية لا يرضى عنه أحد: الذين اعتادوا الاستثناء يغضبون إذا توقف، والذين ينتظرون العدل يغضبون لأنه تأخر، وتجد المؤسسة نفسها تدفع ثمن محاولة إرضاء الجميع بفقدان أثمن ما تملك: الثقة.
المخرج ليس في القسوة، ولا في رفع الصوت، ولا في صناعة خصومات جديدة، بل في العودة إلى أصل الإدارة: معيار واحد للجميع. المسؤول الحقيقي لا يعد بما لا يملك، ولا يوقّع قبل أن يعرف التكلفة والقدرة، ولا يترك المعلومة تمر عبر “المقربين”. يكتب القرار بدل أن يوزع الوعود، ويعلن حدود الممكن بدل أن يشتري الهدوء بالتنازلات، ويقبل غضبًا مؤقتًا من قرار واضح حتى يمنع انهيارًا طويلًا بسبب تردد دائم. الإنصاف لا يعني أن يرضى الجميع، بل أن يفهم الجميع القاعدة. القرار الواضح قد يزعج بعض الناس يومًا، لكنه يحمي المؤسسة شهورًا. أما القرار المؤجل بدافع المجاملة فيتحول إلى باب واسع للفساد، لأن الفساد لا يعيش إلا في الضباب. وحين يختار المسؤول الوضوح معيارًا، ينفضّ عنه المتلاعبون تلقائيًا، لأنهم لا يستطيعون العمل في الضوء. في ذلك وحده نجاة المؤسسة: أن تُدار بالعدل لا بالمجاملة، وبالمعيار لا بالعلاقة، وبالقرار لا بالوعد.
