
م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا :
في الدول التي تنهكها الأزمات الممتدة، لا تعود المشكلة محصورة في تعثر إجراء، أو ضعف مكتب، أو قصور موظف. الخلل يتجاوز ذلك كله حتى يصبح حالة أعمق وأوسع، تمس طريقة عمل المنظومة العامة برمتها، وتنعكس مباشرة على حياة الناس. هنا لا يعود الحديث عن ارتباك إداري محدود، وإنما عن توهان مؤسسي كامل، تفقد معه المؤسسات قدرتها على تحديد الأولويات، وربط القرار بالنتيجة، والسياسة بالأثر، والموارد بحاجات المجتمع الفعلية.
التوهان المؤسسي لا يعني غياب الدولة من حيث الشكل، فالمؤسسات قائمة، والهياكل موجودة، والقرارات تصدر، والخطط تعلن، واللجان تتشكل، لكن الحلقة التي تصل بين كل ذلك وبين الواقع اليومي للناس تكون ضعيفة أو مفككة. ولهذا لا يُقاس الخلل هنا بعدد الأوراق المتداولة، ولا بكمية الاجتماعات، ولا بكثرة التعليمات، وإنما يُقاس بالسؤال الأوضح والأكثر قسوة: ماذا جرى لحياة الناس تحت هذا الأداء العام؟ وهل ما تزال الأسرة قادرة على تأمين الحد الأدنى من المعيشة؟ وهل ما يزال العمل متاحًا؟ وهل ما يزال للدخل معنى يحفظ التوازن داخل البيت؟ وهل ما تزال الفجوة بين الثراء والفقر ضمن حدود يمكن للمجتمع احتمالها؟
حين تعجز الأسرة عن توفير أبسط احتياجاتها اليومية من غذاء ودواء وملبس وسكن وتعليم، فهذه ليست مجرد أزمة معيشية عابرة، وإنما علامة صارخة على أن المنظومة المؤسسية فقدت قدرتها على حماية الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي. لأن وظيفة المؤسسات لا تقتصر على تنظيم العمل العام في صورته الشكلية، وإنما تمتد إلى صون الحياة اليومية للناس، وإنتاج سياسات تمنع الانحدار، وتكفل قدرًا من الاستقرار يسمح للأسرة بأن تعيش دون أن تتحول كل ضرورة إلى معركة.
الأسرة التي كانت تعاني من الضيق أصبحت تواجه العجز. والأب الذي كان يحاول الموازنة بين الالتزامات صار يعود إلى بيته مثقلًا بالخيبة. والأم لم تعد منشغلة بتحسين مستوى المعيشة، بل بكيفية تدبير اليوم بما يحفظ الحد الأدنى من البقاء. وعندما يصل الأمر إلى هذا المستوى، فإن الخلل لا يكون اقتصاديًا فقط، ولا اجتماعيًا فقط، بل يكون مؤسسيًا في جوهره، لأن المؤسسات لم تعد قادرة على تحويل وجودها إلى حماية، ولا قراراتها إلى تخفيف فعلي للأعباء.
ومن داخل هذا الاختلال تتسع البطالة، وتختنق فرص العمل، ويزداد عدد القادرين على العمل الواقفين خارج دورة الإنتاج. هنا لا تكون البطالة مجرد رقم يتكرر في التقارير، وإنما تصبح وصفًا لحالة مجتمع كامل جرى تعطيل جزء كبير من طاقته البشرية. شباب يملكون القدرة والمعرفة والرغبة، لكنهم يصطدمون بأبواب موصدة، وسوق راكد، وفرص تتلاشى، ومناخ لا يولد العمل بما يكفي، ولا يفتح أمام الناس منافذ حقيقية للكسب الكريم.
البطالة في هذا السياق ليست فقط نقصًا في الوظائف، وإنما نتيجة مباشرة لفقدان البوصلة المؤسسية. فعندما تضطرب الأولويات، وتتراجع الرؤية الاقتصادية، وتضعف بيئة الإنتاج، وتغيب المعالجات الجدية، يصبح العمل نفسه امتيازًا نادرًا بدل أن يكون حقًا متاحًا عبر الجهد والقدرة. وعندما يستمر هذا الوضع، تتآكل ثقة الشباب في جدوى التعليم، وفي معنى الانتظار، وفي إمكانية التقدم. ويتحول المجتمع شيئًا فشيئًا إلى مساحة واسعة من الطاقات المعطلة والآمال المؤجلة.
ثم تأتي المرحلة الأشد وطأة: أن يصل دخل الأسرة إلى الصفر. هذه ليست مجرد درجة عالية من الفقر، بل لحظة انكشاف كامل. عندها لا يعود الحديث عن تحسين مستوى المعيشة أو تقليص النفقات أو إعادة ترتيب الأولويات داخل البيت، لأن البيت نفسه يكون قد دخل منطقة الخطر المباشر. كل شيء يصبح أزمة: الطعام، الدواء، المواصلات، رسوم الدراسة، احتياجات الأطفال، الطوارئ الصحية، أبسط المستلزمات اليومية. الأسرة التي ينطفئ دخلها لا تفقد المال فقط، بل تفقد الإحساس بالأمان، وبالقدرة على التخطيط، وبالثقة في الغد.
حين تتكرر هذه الصورة على نطاق واسع، فإنها تكشف أن التوهان المؤسسي تجاوز مسألة اختلال الأداء، و أصبح قوة ضاغطة تعيد تشكيل المجتمع من الداخل. لأن انعدام الدخل ليس نتيجة فردية معزولة، وإنما تعبير عن بيئة عامة لم تعد تنتج فرصًا كافية، ولم تعد توفر شبكة أمان، ولم تعد تملك من الكفاءة ما يمنع الناس من السقوط إلى هذه الحافة القاسية.
وفي الجهة المقابلة من هذا المشهد، يبرز الغنى الفاحش بصورة أكثر إيلامًا واستفزازًا. لا لأن الثراء في ذاته مشكلة، وإنما لأن تضخمه الحاد إلى جوار الفقر المدقع يكشف أن المجتمع لم يعد يتحرك ضمن توازن طبيعي أو عادل. هناك من يراكم الثروة والامتيازات والمكاسب بوتيرة متسارعة، في الوقت الذي تكافح فيه أسر واسعة من أجل أساسيات البقاء. وعندما يتجاور هذان المشهدان داخل مجتمع واحد، فإن المسألة لم تعد مجرد تفاوت اقتصادي مألوف، بل أصبحت علامة على خلل عميق في توزيع الفرص والمواقع والمنافع.
الغنى الفاحش حين يتمدد في بيئة يشتد فيها الفقر، يخلق شعورًا عامًا بأن المسارات لم تعد متكافئة، وأن أبواب الصعود ليست مفتوحة للجميع بالقدر نفسه، وأن هناك من يتحرك في فضاء مختلف تمامًا عن ذلك الذي يختنق فيه معظم الناس. وهذا من أخطر ما يفعله التوهان المؤسسي، لأنه لا يضعف المعيشة فقط، بل يضرب الإحساس العام بالعدالة. والمجتمعات قد تتحمل الشدة حين تشعر أن الأعباء موزعة بقدر من الإنصاف، لكنها تتعب سريعًا حين ترى الفقر يشتد في جانب، والثروة تتضخم في جانب آخر، دون تفسير مقنع أو معالجة جادة أو أفق يعيد شيئًا من التوازن.
هنا تتجلى خطورة التوهان المؤسسي في أعمق صوره. فهو لا يتمثل فقط في ضعف الإنجاز أو ارتباك القرار أو تداخل الصلاحيات، مع أن ذلك كله حاضر، وإنما يتمثل في أن المنظومة العامة تفقد اتصالها بالأولويات الحقيقية للمجتمع. تصبح الحركة واسعة، لكن الأثر ضعيف. تتعدد المبادرات، لكن حياة الناس لا تتحسن بما يكفي. تصدر المعالجات، لكن الجرح يبقى مفتوحًا. تعمل المؤسسات، ولكنها لا تصل إلى الموضع الذي ينتظرها فيه المواطن: موضع الحماية، والإنصاف، وتخفيف القسوة اليومية.
أخطر ما في هذا النوع من الخلل أنه قد يبدو مألوفًا مع الزمن. يتكيف الناس مع العجز كما لو أنه قدر. يعتادون البطالة كما لو أنها حالة طبيعية. يتعاملون مع انعدام الدخل في بعض البيوت كأنه خبر معتاد. ينظرون إلى الفجوة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع بوصفها مشهدًا يوميًا لا يثير إلا الحسرة الصامتة. وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، لا يكون الضرر واقعًا على الاقتصاد وحده، ولا على الإدارة وحدها، بل على فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة الحديثة تُقاس أولًا بقدرتها على منع المجتمع من الانزلاق إلى هذا المستوى من الاختلال.
في مثل هذه البيئات، يتحول الأداء العام من إدارة تنموية إلى إدارة بقاء. لا تعود المؤسسات مشغولة بصناعة التحسن بقدر انشغالها بمحاولة منع التدهور من التفاقم. وبدل أن يكون السؤال: كيف نرفع جودة الحياة؟ يصبح السؤال: كيف نمنع مزيدًا من الانهيار؟ وهذه مرحلة خطرة، لأنها تعني أن المنظومة المؤسسية لم تعد تقود المجتمع إلى الأمام، وإنما تلاحق آثار التراجع وتحاول احتواءها بأدوات محدودة ورؤية غير مكتملة.
ولهذا فإن علاج التوهان المؤسسي لا يبدأ من تحسين اللغة الرسمية، ولا من تكثيف الاجتماعات، ولا من إنتاج خطط أكثر أناقة على الورق. البداية الحقيقية تكون من استعادة البوصلة. أي من وضع معيشة الأسرة في مركز الاهتمام، واعتبار العمل أولوية لا ملفًا هامشيًا، والتعامل مع انعدام الدخل بوصفه إنذارًا بالغ الخطورة، ومواجهة الفجوة الجارحة بين الغنى الفاحش والفقر المدقع باعتبارها اختلالًا يهدد تماسك المجتمع نفسه. ما لم يحدث ذلك، ستبقى المؤسسات تدور كثيرًا حول الأزمة من دون أن تدخل إلى قلبها.
الخلاصة أن التوهان المؤسسي هو وصف دقيق للحظة تفقد فيها المنظومة العامة قدرتها على حماية الناس من الانحدار القاسي. ويبلغ هذا التوهان ذروته عندما تصبح الأسرة عاجزة عن تأمين أساسياتها، والبطالة واسعة، والدخل منطفئًا في البيوت، والتفاوت الاجتماعي صادمًا إلى هذا الحد. عندها لا تكون الأزمة في بطء الأداء فقط، بل في أن المؤسسات لم تعد تمسك بالخيط الذي يصل وجودها بحاجات المجتمع الفعلية. وحين ينقطع هذا الخيط، لا تتعب المؤسسات وحدها، بل يتعب المجتمع كله.