
م. فؤاد أبوراس / مآلات ميديا :
في كل شارع تقريبًا، هناك مشروع صغير يفتح بابه مع الصباح: بقالة، ورشة، محل أدوات، مطعم متواضع، أو بسطة يعيل منها صاحبها أسرة كاملة. هذه المشاريع هي روح حياة الناس، وجزء من تفاصيلهم اليومية. وحين تتعب المشاريع الصغيرة، يتعب السوق كله معها.
في السنوات الأخيرة، صار كثير من أصحاب المشاريع يشعرون أنهم محاصرون بين أمرين يتحركان في اتجاه واحد: تحصيل يتزايد، وسوق يبرد. ليست المشكلة في رسم واحد أو مبلغ واحد، بل في تراكم الرسوم وتكررها، ثم في زيادات سنوية متصاعدة تجعل التكلفة ترتفع بينما الدخل لا يرتفع معها.
وجود جهتين إداريتين في بلد واحد يزيد الأمر تعقيدًا. أحيانًا يجد صاحب المشروع نفسه أمام التزامات متعددة على نفس النشاط بحسب الجهة أو مسار البضاعة أو طبيعة الإجراءات. ومع تكرر التحصيل، تصبح الكلفة مثل طبقات تتراكم فوق بعضها: تصريح هنا، ورسوم هناك، وتحصيل يتكرر بأسماء مختلفة. في النهاية، المشروع الصغير (الذي يعمل أصلًا بهامش محدود) لا يستطيع أن يتحمل هذه الزيادات مثلما تتحملها المشاريع الكبيرة.
في الجهة الأخرى من الكماشة، يقف الزبون. حين تضعف فرص العمل ويتراجع الدخل، تتقلص القوة الشرائية بشكل واضح. المواطن لا يتوقف عن الشراء لأنه لا يريد، بل لأنه لم يعد قادرًا على شراء ما كان يشتريه. تتحول القائمة إلى “الضروري فقط”، وتقل حركة السوق. ومع كل يوم ركود، تقل المبيعات، وتزداد معاناة صاحب المشروع في تغطية التزاماته.
وهنا تبـــــدأ الحلقة الصعبة: ترتفـع التكــــلفة بسبب الرسوم، وتتراجع المبيعات بسبب الركود. يحاول صاحب المشروع أن يتصرف، فيجد أمامه خيارات كلها ثقيلة: إذا رفع الأسعار ليغطي التكاليف خاف أن يخسر الزبون، وإذا خفّض الأسعار ليحافظ على الزبون خسر هامشه، وإذا بقي كما هو يزداد الضغط عليه مع كل التزام جديد. ومع الوقت تظهر النتائج المعروفة: تقليل البضاعة، تقليل العمالة، تأخير بعض الالتزامات، ثم التفكير بالإغلاق.
الأمر المؤلم أن الإغلاق غالبًا لا يأتي بضجيج. يحدث بصمت: محل يفتح ساعات أقل، ورشة تتوقف أيامًا أكثر، مشروع يتنازل عن عامل أو اثنين، ثم يغلق. وعندها لا يخسر صاحب المشروع وحده؛ تخسر أسرته، ويخسر العامل فرصة عمل، ويخسر الزبون خيارًا كان يعتمد عليه، ويخسر السوق جزءًا من حيويته.
هذه مشكلة تستحق نقاشًا هادئًا لأنها تمس حياة الناس مباشرة. وفيها مساحة لحلول واقعية إذا توفر حد أدنى من التنظيم: أن تكون الرسوم واضحة ومعلنة ويمكن توقعها، وأن تُراعى المشاريع الصغيرة عند أي زيادة، وأن تُبسط الإجراءات ويُخفف تكرر التحصيل. وفي المقابل، أي خطوة تساعد على تنشيط الدخل وفرص العمل ستنعكس فورًا على السوق، لأن قوة الشراء هي التي تحرك عجلة البيع والرزق.
المشاريع الصغيرة لا تبحث عن امتيازات، بل عن بيئة تستطيع أن تعمل فيها دون مفاجآت يومية: تكلفة يمكن حسابها، وسوق يستطيع أن يشتري. فإذا خف الضغط من جهة التحصيل، وتحسّن الدخل من جهة الناس، ستعود الحياة للأسواق تلقائيًا—وتعود معها فرص العمل والطمأنينة.