image

م. فؤاد ابوراس / مآلات ميديا :
في كل مؤسسة هناك عملٌ يُنجَز، وهناك “حكاية” تُروى عنه. حين تكون الإدارة ناضجة، الحكاية تتبع العمل. وحين تختل المعايير، يحدث العكس: العمل يتوارى، والحكاية تتقدّم. هنا يولد التملّق الوظيفي؛ ليس كمجاملة عابرة، بل كطريقة للترقي داخل مؤسسة صارت تكافئ الصورة أكثر مما تكافئ النتيجة.

علم الإدارة يضع هذا السلوك تحت عنوان واضح: إدارة الانطباع. بعض الموظفين يتعاملون مع المدير كأنه “بوابة مستقبلهم”، فيصرفون طاقتهم على الاقتراب، وعلى تمهيد الطريق، وعلى التقاط الإشارات، وعلى صناعة حضورٍ دائم حول مركز القرار. في المقابل، يظل الموظف الذي يغرق في الإنجاز الحقيقي بعيدًا عن الضوء… ثم يُفاجأ أن الضوء هو الذي يصنع التقييم.

المشكلة تبدأ حين تتحول المؤسسة إلى “سوق انطباعات”. المدير يسمع أكثر مما يرى، ويتلقى روايات أكثر مما يتلقى أدلة، ويعيش تحت ضغط الوقت فيستسهل من يقدّم له نسخة جاهزة من الواقع. هنا يظهر المتملّق بذكاء: يختار اللحظة المناسبة، والعبارة المناسبة، ويقدّم نفسه كحلّ سريع، ثم يُسقط على زملائه ظلال الشكّ بعبارات مُبطّنة: “العمل تأخر”، “التنسيق ضعيف”، “في قصور بسيط” … دون اسمٍ صريح، لكن برسالة تصل كاملة.

ومن عاش الحياة الوظيفية يعرف كيف تُدار التفاصيل الصغيرة التي تصنع المصائر الكبيرة. صباحًا، ليست القضية من أنجز أكثر، بل من كان أول من يلتقط المدير عند الباب. في الاجتماع، ليست القيمة في الفكرة الأعمق، بل في الجملة التي تجعل المدير يهزّ رأسه ارتياحًا. بعد الاجتماع، يبدأ المشهد الذي لا يُكتب في محاضر الجلسات: همسٌ جانبي، رسائل قصيرة، رواية تُقدَّم بلباقة، ثم قرارٌ يتخذ وأنت لا تعلم أصل الحكاية.

خذ مثالًا يتكرر في معظم المؤسسات: فريق يعمل أسبوعين على تقرير أو مشروع. الموظفون يكدّون، يراجعون، يصححون، يطاردون البيانات. المتملق يحرص على الجزء الذي يضمن له الاحتكاك المباشر: إرسال البريد النهائي، ترتيب الشرائح، الوقوف أمام المدير في لحظة التسليم. المشروع ينجح، فتُكتب الأسماء بطريقة عجيبة: من ظهر في لحظة التسليم يتصدر، ومن حمل العبء اليومي يختفي في الهامش. وعندما يقع خطأ، تتبدل القاعدة: “الفريق مسؤول” … وكأن الاعتراف فردي واللوم جماعي.

ومثال آخر أكثر إيلامًا: موظف يشتغل بصمت في الميدان أو خلف الشاشة، يطفئ الحرائق اليومية، يردّ على الناس، يغلق ملفات، ويمنع تعطل الخدمة. وفي المقابل، موظف آخر “حاضر دائمًا” في الواجهات: اجتماعات، صور، لقاءات، حضور صوتي وابتسامات. التقييم يميل إلى المرئي، لأن المرئي أسهل في الالتقاط من المنجز الذي يحتاج متابعة هنا تتكوّن فجوة نفسية قاتلة داخل الموظف المجتهد: “إذا كان العمل الحقيقي لا يُرى… لماذا أتعب؟”

ثم يأتي الفصل الأخطر: المتملق لا يكتفي بالظهور، بل يصنع شبكة نفوذ غير رسمية. يتحول تدريجيًا إلى “بوابة” المدير: من أراد توقيعًا يمر عبره، ومن أراد فرصة يحتاج رضاه، ومن أراد حماية يبحث عن ودّه. ومع الوقت، تتغير لغة المؤسسة من لغة العمل إلى لغة الاصطفافات: “مع من أنت؟” بدل “ماذا أنجزت؟”. في هذه اللحظة يتغيّر شكل المؤسسة من الداخل: الثقة تتآكل، الصمت ينتشر، المبادرات تموت، والموهوبون يبدأون انسحابهم الهادئ… بعضهم يرحل فعليًا، وبعضهم يبقى جسدًا ويغادر روحًا.

علم الإدارة يسمي ما يحدث هنا انقلاب الحوافز: الحافز يتجه نحو القرب لا نحو الكفاءة. وحين تنقلب الحوافز، تنقلب الثقافة. ويظهر أثر ذلك في أبسط التفاصيل: موظف صار يخشى أن يخطئ لأنه يعرف أن الخطأ لن يُعالج بل سيُستثمر ضده. موظف صار يكره الاجتماعات لأن الاجتماع صار ساحة “تسجيل نقاط” لا ساحة “حل مشاكل”. موظف صار يحجم عن اقتراح فكرة جديدة لأن الفكرة قد تُسرق وتُقدَّم باسم آخر.

وفي الجانب الآخر من الصورة، المدير الذي يظن أنه يستفيد من المتملق غالبًا يدفع الثمن متأخرًا. المتملق يطعم الإدارة بما تريد سماعه، ويزيّن الواقع، ويخفف من قسوته، ويخلق حول القرار “وسادة” من المجاملات. ومع الوقت، يتشوه رادار المؤسسة: أخبار تُصفّى قبل أن تصل، مشاكل تُخفى حتى تتضخم، مؤشرات تُجمّل، وأخطاء تتكرر لأن أحدًا لا يجرؤ على تسميتها كما هي.

ما الذي يصنع الفرق؟ الفرق يبدأ من سؤال إداري بسيط لكنه حاسم: كيف نقيس الأداء؟ متى نكافئ؟ ولماذا؟ المؤسسات التي تريد أن تحمي نفسها ترفع قيمة الدليل فوق قيمة الرواية. تضع معايير واضحة، وتطلب مؤشرات قابلة للتحقق، وتفصل بين تقييم العمل وبين حرارة العلاقة. وتفتح مسارات عادلة للتظلم، وتجعل التقييم عملًا مؤسسيًا لا انطباعًا فرديًا. عندها فقط يضيق المجال أمام التملق، لأن البيئة لم تعد تعيش على “الهمس” بل على “البيانات”.

يبقى الموظف صاحب المبدأ في قلب الحكاية. هذا الشخص لا يجيد التصفيق، ويختار أن يضع جهده في العمل نفسه. قد يتألم حين يرى المشهد مقلوبًا، وقد يخسر فرصًا كانت تُمنح لمن يتقن لعبة القرب. لكنه يحتفظ بأهم ما يحمي الإنسان داخل أي وظيفة: احترامه لذاته. ثم تأتي المفارقة التي يعرفها الواقع جيدًا: الصعود عبر التملق يلمع سريعًا، لكنه هشّ. يكفي تغيير مدير، أو تبدّل ميزان، أو لحظة تدقيق حقيقية… حتى يظهر الفرق بين من صنع إنجازًا وبين من صنع قصة.

هذه ليست معركة أخلاقية فقط؛ إنها معركة كفاءة وعدالة وبقاء مؤسسي. المؤسسة التي تُدار بالمجاملات تُشبه سفينة تُبحر على المديح… حتى تصطدم بأول موجة كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *